
هناك تواريخ لا تطويها السنوات، ولا تستطيع التسويات السياسية محوها من ذاكرة الشعوب. تبقى محفورة في وجدان الأوطان، شاهدةً على تضحيات أبنائها، وعلى حقائق لا يجوز أن يبتلعها النسيان.
وفي 13 تشرين الأول 1990، لم يكن لبنان أمام يومٍ عادي من أيام الحرب، بل أمام واحدة من أكثر محطاته إيلامًا، حين تعرّضت مواقع الجيش اللبناني لهجوم عسكري سوري، وسقط عسكريون دفاعًا عن مواقعهم، فيما بقي مصير آخرين موضع تساؤل ووجع لدى عائلاتهم.
في ذلك اليوم، لم تسقط أجساد عسكريين فحسب، بل انكسرت أحلام عائلات، وغابت وجوه عن موائد البيوت، وبقيت أمّهات ينتظرن أبناءً لن يعود بعضهم، فيما ظلّت عائلات أخرى تبحث عن حقيقة مصير أحبّائها.
كانوا جنودًا وضبّاطًا ارتدوا بزّتهم العسكرية إيمانًا بواجبهم، ولم يتخيّلوا أنّ الوطن الذي أقسموا على حمايته سيعجز، بعد كل هذه السنوات، عن إيفاء بعضهم حقّهم الكامل في الحقيقة والإنصاف.
ولعلّ أقسى ما في هذه الذكرى أنّ الزمن مضى، وتبدّلت الحكومات والعهود والتحالفات، فيما بقيت أسئلة العائلات المكلومة معلّقة، كأنّ معرفة مصير الأبناء امتياز يُمنح، لا حقّ إنساني ووطني لا يسقط بالتقادم.
إنّ استذكار شهداء الجيش اللبناني لا ينبغي أن يتحوّل إلى مناسبة موسمية للخطب وأكاليل الزهر، ولا إلى مادة للمزايدات السياسية واستعادة الانقسامات. فدماء العسكريين أسمى من أن تُختصر في حسابات الأحزاب، وتضحياتهم أكبر من أن تُستثمر في خصومات الحاضر.
الوفاء الحقيقي لهم يبدأ من احترام المؤسسة العسكرية، وصون كرامة جنودها وضبّاطها، وبناء دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وتكون فيها السيادة مسؤولية تمارسها المؤسسات الشرعية، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
فأيّ معنى للشهادة إذا بقي الوطن عاجزًا عن حماية سيادته؟ وأيّ وفاء نقدّمه لمن سقطوا دفاعًا عن الدولة، إن لم نعمل على قيام الدولة التي آمنوا بها؟
أما قضية العسكريين المفقودين، فلا يجوز أن تبقى أسيرة الصمت أو النسيان. إنّ كشف مصيرهم مسؤولية وطنية وأخلاقية، وحقّ لعائلاتهم في معرفة الحقيقة، مهما طال الزمن وتبدّلت الظروف.
وليس المطلوب من هذه الذكرى إحياء الأحقاد، ولا توريث الأجيال الجديدة انقسامات الماضي، بل حماية الذاكرة من التزوير، وصون الحقيقة من المساومة، والتأكيد أنّ المصالحة الوطنية لا تعني محو التاريخ أو تجاهل حقوق الضحايا.
في 13 تشرين، ننحني أمام شهداء الجيش اللبناني، وأمام وجع عائلاتهم، ونستذكر كلّ من دفع حياته ثمنًا لوفائه لقسمه العسكري ووطنه.
رحم الله الشهداء، وحمى الجيش اللبناني، وأنصف عائلات المفقودين، وأعاد إلى أصحاب الحقوق حقّهم في الحقيقة والعدالة.
فالأوطان التي تنسى شهداءها تُفرّط بذاكرتها، والأوطان التي تخشى مواجهة تاريخها تعجز عن بناء مستقبلها.
وفي ذكرى 13 تشرين، يبقى الوفاء الأكبر ألّا نكتفي بتكريم من ماتوا من أجل لبنان، بل أن نبني لبنان الذي يستحقّ تضحياتهم.



