
حين تضيق الحياة بالناس، تتجه الأنظار إلى الكنيسة، بما لها من مكانة في وجدانهم، وبما يرجونه منها من قربٍ وسند. يحمل إليها الشباب قلق المستقبل، والعائلات تعب المعيشة، والمسنّون خوف الوحدة. ولكلّ منهم وجعٌ قد تخونه الكلمات في التعبير عنه، وحاجة إلى من يلمح تعبه خلف صمته، ويطمئنه بأنه لم يُترك وحده.
من هذا الرجاء يأتي العتاب الموجّه إلى المرجعيات المسيحية. فالناس يتألّمون أكثر حين تطول المسافة بينهم وبين من ائتمنوهم على ضعفهم. ينتظرون حضورًا يعرف أحوالهم، ويسمع ما وراء صمتهم، ويصل إليهم قبل أن تُنهكهم الحاجة ويثقل عليهم طلب العون.
لم يعد ممكنًا تجاوز هذا الوجع بكلمات المواساة. فحين تعجز عائلة عن تسديد قسط مدرسة تابعة للكنيسة، أو يقف مريض عاجزًا أمام كلفة العلاج في أحد مستشفياتها، يحقّ لهما أن يسألا: أين نجد أثر رسالتها في محنتنا؟ وما قيمة الحديث عن الرحمة إذا بقيت أبواب مؤسساتها بعيدةً عن المحتاج؟
وراء كل قسطٍ أهلٌ يقتطعون من ضروريات عيشهم ليحفظوا مستقبل أولادهم، ووراء كل فاتورة مريضٌ يجتمع عليه ألم المرض والخوف من أن يُحرم العلاج. والمطلوب قرارات تخفّف الكلفة، ومنحٌ ومساعدات تصل إلى أصحابها بكرامة؛ فهذه مسؤولية تفرضها رسالة الكنيسة، ومن حقّ الناس أن يسائلوها عنها.
وخلف هذا العتاب أناسٌ أنهكهم أن يشرحوا حاجتهم، وأن يكشفوا تفاصيل ضيقهم كي يُثبتوا أنهم يستحقّون المساعدة. بعضهم يصمت صونًا لكرامته، وبعضهم يؤجّل السؤال حتى تنفد السبل.
وقد حمّل البابا القديس يوحنا بولس الثاني، في الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان»، الكنائس البطريركية مسؤولية تقديم مساعدة فعلية للمحتاجين، ودعا إلى إتاحة مؤسساتها الصحية للفقراء. فكيف يبقى المحتاج وحيدًا أمام كلفة التعليم والعلاج؟ وكيف يعود عن أبوابٍ اعتبرها ملاذه، مثقلًا بوجعه وبالخذلان …لهؤلاء يُرجى أن تتّسع أبواب الكنيسة وقلوب القائمين على مؤسساتها؛ وأن يجدوا عندها عونًا يحفظ لهم حقّهم في الوقوف مرفوعي الرأس.
فالإنسان قد ينسى مقدار ما تلقّاه من مساعدة، لكنه يبقى يذكر كيف عومل يوم احتاج إليها.
وأمام هذا الوجع، تُختبر الرسالة في ما تفعله لمن يقف على بابها: ألّا يعود مكسورًا، وألّا يندم لأنه طلب العون، وألّا يفقد، مع ضيق العيش، إيمانه بأن له في هذه الكنيسة بيتًا.


