أعاد خبر العثور على عنصر أمني مصاب أثناء تأديته خدمته داخل مبنى مجلس الخدمة المدنية في فردان طرح السؤال عن الرعاية النفسية في لبنان، داخل المؤسسات وخارجها. ومع بقاء ملابسات الحادثة غير محسومة رسميًا، لا يجوز تصنيفها محاولة انتحار أو إرجاعها إلى دوافع محدّدة؛ فذلك رهن نتائج التحقيق، ولا تتيح المعلومات المتوافرة استنتاج الحالة النفسية للعنصر المعني.
وبصرف النظر عن ملابسات حادثة فردان، تضع الأرقام المنشورة ارتفاع حالات الانتحار المسجّلة أمام مسؤولية عامة تستوجب التحرّك. والسؤال الملحّ: هل تصل المساعدة إلى من يحتاجها في الوقت المناسب؟ وماذا تفعل المؤسسات كي تسمع معاناة الإنسان وتستجيب لها قبل أن تصبح خبرًا؟
ارتفاعٌ يستدعي التحرّك… ماذا تثبت الأرقام؟
أوردت تقارير إعلامية، نقلًا عن بيانات قوى الأمن الداخلي، تسجيل 110 حالات وفاة بالانتحار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مقابل 96 خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 14.6%. وتغطّي هذه الأرقام الفترة حتى نهاية آب، ولا تمثّل حصيلة العام بأكمله أو تكشف وحدها أسباب الزيادة.
هذه الزيادة إنذارٌ يستحقّ المتابعة، لكن دلالتها تبقى محدّدة بالفترة التي يغطيها الإحصاء؛ فهي لا تمثّل حصيلة العام بأكمله، ولا تكشف وحدها أسباب الارتفاع أو الفئات الأكثر تأثّرًا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى بيانات تفصيلية تساعد على فهم عوامل الخطر وتوجيه خدمات الوقاية والرعاية إلى من يحتاجها.
ولا تنتهي المسؤولية عند نشر الإحصاء؛ فمن حقّ الناس أن يعرفوا ما الذي تغيّر في خدمات الوقاية والرعاية على ضوء هذه الأرقام، وما الإجراءات التي اتُّخذت للوصول إلى المعرّضين للخطر. فكل زيادة تستدعي استجابةً واضحة تتجاوز تداول الخبر.
لكلّ مأساة ظروفها… والتفسير المتسرّع يظلم أصحابها
قد تحضر الضائقة المالية أو الخلافات العائلية أو ضغوط العمل في حياة الشخص، لكن وجودها لا يثبت أنها سبب وفاته. وإرجاع المأساة إلى عامل واحد، من دون معطيات موثّقة، يحجب تعقيد المعاناة وقد يحمّل العائلة، فوق ألم الفقد، عبء تفسيرٍ لم تثبته الوقائع.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العوامل المؤدية إلى الانتحار متعددة ومعقّدة؛ فوجود اضطراب نفسي لا يعني بالضرورة وجود رغبة في الموت، كما أن الأفكار الانتحارية قد تراود أشخاصًا من دون اضطراب نفسي مشخص. لذلك، لا يصحّ اتخاذ التشخيص أو الظروف المعيشية وحدهما أساسًا للحكم على حالة الإنسان أو تفسير ما جرى له.
وهذا يجعل التقييم المهني والرعاية المناسبة ضرورةً لفهم معاناة كل شخص والاستجابة لها. فخلف كل رقم إنسانٌ له قصته، وعائلةٌ تحتاج إلى السند واحترام خصوصيتها، بعيدًا عن التفسيرات المتسرّعة والأحكام التي تزيد وجعها.
حين يصبح طلب المساعدة امتحانًا آخر
تُقاس جدّية الرعاية بقدرة الإنسان على الوصول إليها: أن يعرف أين يتوجّه، ويستطيع تحمّل كلفتها، ويطمئن إلى سرّيتها واستمرار المتابعة. فصعوبة الوصول إلى المساعدة تُثقل معاناة من أنهكه أصلًا شرح ألمه.
وهذه مسؤولية تشمل المؤسسات الصحية والتعليمية وأماكن العمل والإدارات العامة. وفي المؤسسات الأمنية خصوصًا، ينبغي توفير دعم نفسي سرّي يتيح للعاملين طلب العون من دون خوف على موقعهم المهني؛ وهو مطلب وقائي عام، لا حكم على حادثة فردان أو ظروفها.
وفي المؤسسات الأمنية خصوصًا، ينبغي توفير دعم نفسي سرّي يتيح للعاملين طلب المساعدة دون خوف على موقعهم المهني؛ وهو مطلب وقائي عام، لا استنتاج بشأن حادثة فردان.
الوقاية مسؤولية مشتركة
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوقاية من الانتحار تتطلّب تعاونًا بين قطاعات متعددة. ومن حقّ الناس معرفة الخدمات المتاحة وكلفتها وكيفية الوصول إليها، والإجراءات المتّخذة استجابةً للأرقام المنشورة؛ فالتوعية تحتاج إلى رعاية يستطيع الإنسان الحصول عليها حين يحتاجها.
وللإعلام دور في احترام خصوصية العائلات، والفصل بين المعلومة والفرضية، ومتابعة مسؤولية الجهات المعنية بعد انحسار الاهتمام بالخبر.
وفي لبنان، يتوافر الخط الوطني للدعم النفسي والوقاية من الانتحار 1564، الذي تديره «إمبرايس» بالشراكة مع البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة، على مدار الساعة.
تبقى ملابسات حادثة فردان رهن التحقيق، وتبقى الأرقام دعوةً إلى التحرّك. أما الاختبار الحقيقي، فهو أن يجد الإنسان، حين يقول «أحتاج إلى مساعدة»، من يسمعه ويحفظ كرامته ويوصله إلى الرعاية؛ قبل أن يختزل خبرٌ قصير حياةً كاملة.


