يناقش مجلس الوزراء اليوم مراسيم مقترحة من وزيرة البيئة تتعلق بتحديد خرائط المحميات. ونعتقد أن مثل هذا القرار، بما يمكن أن يترتب عليه من آثار بيئية واقتصادية واجتماعية وحقوقية بعيدة المدى، لا يجوز أن يُتخذ على عجل أو بمعزل عن رؤية وطنية شاملة للبيئة والتنمية المستدامة.
تعديل حدود المحميات ليس مجرد إجراء تقني لرسم خطوط جديدة على الخرائط. إنه قرار يتعلق بمستقبل النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي والمياه والأراضي والمشاعات والملكيات الخاصة، وبشروط الاستثمار والتنمية المحلية، وبحقوق المواطنين والأجيال المقبلة.
وإذا كان هناك اتجاه لتسهيل بعض الاستثمارات التي اصطدمت سابقاً بقوانين الحماية، فإن الحل لا يكون بتقليص الحماية عبر تعديل الخرائط، بل بوضع سياسة وطنية واضحة تحدد أين يمكن الاستثمار، وكيف، وبأي شروط بيئية، وأين يجب أن تكون الأولوية المطلقة للحماية.
والأهم أن لبنان يواجه اليوم أزمة مناخية متصاعدة، من ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر والجفاف إلى تراجع الموارد المائية وتزايد مخاطر الحرائق. وفي هذا السياق، فإن المنطق البيئي والمناخي يفرض زيادة المساحات الطبيعية والخضراء وحمايتها، لا تقليصها أو تجزئتها. فالغابات والأحراج والمناطق الطبيعية ليست ترفاً جمالياً، بل جزء من البنية التحتية البيئية التي تساعد على حماية المياه والتربة والتنوع البيولوجي وتخزين الكربون والتكيف مع تغير المناخ.
لذلك، نطالب قبل أي تعديل في خرائط المحميات بإنجاز الاستراتيجية البيئية الشاملة للتنمية المستدامة، بحيث تعالج بصورة متكاملة:
• العلاقة بين حماية الطبيعة والاستثمار والتنمية، بعيداً عن المقاربة التي تضعهما في مواجهة بعضهما البعض.
• وضع معايير علمية وشفافة لإدخال الأراضي في المحميات أو إخراجها منها.
• كيفية التعامل مع الملكيات الخاصة داخل المحميات أو في المناطق المقترحة للحماية، بما يحفظ الحقوق الخاصة ويضمن في الوقت نفسه المصلحة البيئية العامة.
• كيفية إدارة المشاعات والأملاك العامة، ومن يملك حق الانتفاع بها ولأي أغراض وبأي شروط.
• حماية النظم الإيكولوجية المنتجة للمياه والغابات والأحراج والمناطق ذات القيمة البيئية العالية.
• إدماج أهداف التكيف مع تغير المناخ وزيادة المساحات الخضراء وحماية المخزون الطبيعي للكربون في أي سياسة جديدة لاستخدام الأراضي.
• ضمان ألا تتحول إعادة رسم الحدود إلى مدخل لمشاريع أو استثمارات تضعف أهداف الحماية التي أنشئت المحميات من أجلها.
والأهم من ذلك كله، أن مثل هذه القرارات ليست قرارات حكومية عابرة. إنها قرارات تحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية، لأنها تحدد جزئياً شروط الحياة التي سيعيشها اللبنانيون بعد عقود، وتحدد ما إذا كانت الأجيال القادمة ستجد مياهها وغاباتها وتنوعها البيولوجي ومساحاتها الطبيعية محفوظة، أم ستجد أن الأجيال السابقة استهلكتها باسم التنمية والاستثمار.
حقوق الأجيال القادمة ليست شعاراً أخلاقياً؛ إنها قيد يجب أن يحكم القرارات التي نتخذها اليوم.
لذلك نطالب مجلس الوزراء بوضوح:
عدم إقرار هذه المراسيم اليوم.
وندعو إلى إعادة النظر فيها ضمن إطار الاستراتيجية البيئية الشاملة للتنمية المستدامة، وفتح حوار وطني ومحلي واسع وشفاف يشارك فيه الخبراء والبلديات والمجتمعات المحلية وأصحاب الملكيات الخاصة ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والجهات الاقتصادية المعنية، قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن خرائط المحميات.
لا يجوز أن نرسم اليوم خريطة بيئية للبنان من دون أن نسأل: أي لبنان نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟
إن حماية الطبيعة ليست عائقاً أمام التنمية؛ إنها أحد شروط استمرارها.


