
منذ السبعينيات، لم يعد الخلاف بين أي دولتين في هذا الإقليم يُحل في عاصمتيهما، بل يُلقى حله العسكري في لبنان. تُغذّى فئة منا بالمال والسلاح لتقاتل بالنيابة عن غيرها، ثم ندفع نحن وحدنا الثمن: حرباً أهلية، واجتياحات، وانهياراً لا ينتهي.
لقد أدركت سويسرا هذه الحقيقة قبل مئتي عام. فحيادها لم يكن ضعفاً ولا انعزالاً، بل كان سلاحها الاستراتيجي. حياد مسلح تحميه دولة واحدة وجيش واحد، فلا يجرؤ أحد على استخدام أرضها. ولأن لا أحد يستخدمها، قصدها الجميع: ليتحاوروا في جنيف، وليأتمنوا مصارفها على أموالهم.
ولبنان يملك أكثر مما تملك سويسرا ليكون سويسرا. سويسرا بلا بحر، ونحن على شاطئ المتوسط. سويسرا حيادها ضرورة جغرافية، أما حيادنا فرسالة حضارية؛ فنحن البلد الوحيد في العالم الذي يجسد العيش الكربم بين المسيحية والإسلام.
إن الحل ليس في اختيار محور جديد، بل في الخروج من لعبة المحاور كلها. أن نعود إلى الفكرة التأسيسية لجاك تابت: دولة محايدة فاعلة، سلاحها بيد جيشها، وقرارها في يد دولتها، فتتحول من ساحة يتصارع عليها الآخرون، إلى جسر يلتقي عليه الآخرون.


