حضرة الرئيس ،
هكذا كنا نخاطب رؤساءنا في المراسلات العسكرية التي عرفناها ، وهي بالنسبة إليّ ليست مجرد صيغة مخاطبة ، بل جزء من لغة الدولة التي عشناها وخدمنا في مؤسساتها .
أكتب إليكم اليوم من موقع رجل أمضى ثمانية وثلاثين عاماً في خدمة الوطن ، لا من موقع سياسي ولا من موقع عداء ، بل من موقع مواطن عايش الدولة في مراحل قوتها وتراجعها ، ويرى أن لبنان لم يتعافَ بعد ، رغم أنكم وضعتموه على السكة .
وأقول ذلك بصراحة ، لأن ما يهمني هو مستقبل الدولة .
ليست مشكلة لبنان جديدة . والتاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة على دول أضعفتها العصبيات والانقسامات عندما أصبحت الأحزاب أقوى من الدولة .
في الأندلس ، انتهى الحكم إلى دويلات الطوائف ، بعدما تحولت الدولة الواحدة إلى ممالك متنازعة ، لكل منها أميرها وحساباتها . ومع تفكك الوحدة السياسية ، ضعفت الدولة وسقطت الأندلس .
الدول لا تسقط في يوم واحد ، بل بعد أن تتراكم أسباب ضعفها .
ولبنان ليس بعيداً عن هذا الخطر ، خصوصاً في منطقة تتغير فيها موازين القوى ، وتتحدث فيها دول ومراكز بحث وسياسة عن تحولات محتملة في خارطة الشرق الأوسط .
وفي مثل هذه المرحلة ، لا تكون قوة لبنان في تمسّك كل طائفة بموقعها ، بل في قدرة الدولة على جمع اللبنانيين حول وطن واحد ومؤسسات واحدة .
فإذا بقيت الطوائف أقوى من الدولة ، يصبح لبنان أكثر عرضة لتأثير التحولات من حوله . أما إذا تحولت الدولة إلى المرجعية الوحيدة ، وأصبح المواطن أقوى من انتمائه السياسي والطائفي داخل مؤسساتها ، يصبح لبنان أقدر على حماية نفسه ، أياً تكن اتجاهات المنطقة .
لهذا لا أرى أن الانتقال من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة ترفاً سياسياً ، بل ضرورة وطنية .
عندما دخلتُ المدرسة الحربية ، كانت الشروط قاسية وواضحة . وكان الانتماء الحزبي أو الارتباط السياسي نقطة أساسية في استبعاد التلميذ الضابط .
لم يكن الجيش حزباً ، ولم يكن الحزب طريقاً إلى الجيش .
كان العسكري يعرف أن عليه أن يضع الوطن فوق أي انتماء آخر ، وأن المؤسسة العسكرية لا تحتمل ولاءات سياسية موازية لولائها للدولة . ولم يكن الأمر محصوراً بالجيش ، بل كان الجو العام في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية أكثر ابتعاداً عن الأحزاب إلى حد القطيعة ، وكان الانتماء الحزبي عائقاً أمام دخول مؤسسات الدولة .
ثم تبدل كل شيء .
وصلنا إلى مرحلة لم تعد فيها الأحزاب خارج الدولة ، بل أصبحت داخلها ، حتى باتت الدولة نفسها ساحة لتقاسم النفوذ .
صار الحزب قادراً على أن يعيّن ، وأن يمنع التعيين ، وأن يفتح باباً ويغلق آخر . وأصبح المواطن يُسأل : من تعرف؟ ومن وراءك؟ وإلى أي طائفة تنتمي؟ بدلاً من أن يُسأل : ما حقك؟ وماذا يقول القانون؟
وهنا بدأ الخطر الحقيقي .
خسر المواطن تكافؤ الفرص ، وخسر الموظف حقه في أن تكون الكفاءة معياراً لتقدمه ، وخسر الشاب ثقته بأن الدولة تستطيع أن تعطيه فرصة من دون واسطة .
وتداخلت السياسة مع الإدارة ، وانتشرت المحسوبيات ، وتراكم الفساد ، وضاعت المسؤولية بين السياسي والإداري . وأصبحت التعيينات توزيع حصص ، بدلاً من أن تكون نتيجة للكفاءة .
وتعرض المال العام للهدر ، لا بالسرقة فقط ، وضاعت موارد ، وامتدت اليد إلى أملاك الدولة والمشاعات في ممارسات جعلت الملك العام مساحة مفتوحة لمن يملك النفوذ .
ولم تعد المشكلة فساداً فردياً ، بل أصبحت في مراحل معينة بيئة تسمح للفساد بأن يستمر داخل الدولة .
الدولة ليست أباً لفريق وخالة لفريق آخر .
الدولة هي دولة الجميع ، وهي مسؤولة عن المواطن لأنه مواطن ، لا لأنه ينتمي إلى طائفة أو حزب .
لا يجوز أن يكون المواطن القريب من زعيم أقرب إلى الدولة من المواطن العادي .
ولا يجوز أن تكون الطائفة طريقاً إلى الوظيفة ، والحزب طريقاً إلى الإدارة ، والواسطة طريقاً إلى الحق .
المطلوب الكفاءة بدل المحسوبية ، القانون بدل الواسطة ، المؤسسة بدل الزعيم ، والمواطن بدل الطائفة .
إذا أردنا بناء الدولة ، فلا يكفي أن نتحدث عنها .مجلس الخدمة المدنية يجب أن يستعيد دوره ، والتفتيش المركزي يجب أن يكون قادراً على القيام بعمله بعيداً عن التدخلات ، والقضاء يجب أن يكون مستقلاً فعلاً .
والإدارة يجب أن تكون محكومة بالقانون والمعايير ، لا بالاتصالات السياسية .
وإذا كانت المؤسسات موجودة ولا نريد أن نعطيها صلاحياتها ، فلماذا أبقيناها؟
وينطبق الأمر نفسه على المستشارين في رئاسة الجمهورية . فالرئيس يحتاج إلى مستشاري دولة ، لا مستشارين للسياسة فقط ، إلى من يضع أمامه القانون والمصلحة الوطنية والخبرة ، ويقول له ما يجب أن يعرفه ، لا ما يرغب في سماعه .
وأذكر هنا واقعة عايشتها بنفسي . عندما طلبت مرة رأياً من أحد المستشارين ، كان جوابه ، نحن بنَا ثقة والمقصود ثقة المجلس .
لم أتوقف عند الشخص ولا عند الموقف ، لكن العبارة بقيت في ذهني ، لأنها تطرح مسألة أكبر من صاحبها : وظيفة المستشار أن يقدم للرئيس الرأي الذي يخدم الدولة والمصلحة العامة ، لا أن يحسب دائماً كيف يحافظ على التوازنات السياسية .
فالدولة لا تستعيد هيبتها بالشعارات ، بل عندما يعرف المواطن أن القانون يطبق على الجميع ، وأن الوظيفة العامة ليست مكافأة سياسية ، وأن المال العام ليس غنيمة ، وأن القرار داخل المؤسسة لا يخضع للواسطة .
هيبة الدولة تبدأ عندما تصبح الدولة أقوى من الأحزاب ، والقانون أقوى من الزعيم ، والمواطن أقوى من الواسطة .
سيادة الدولة تبدأ من الداخل . ليست فقط في حدودها ، بل في أن تكون الدولة صاحبة القرار في مؤسساتها ، وفي إدارتها ، وفي أمنها ، وفي مالها العام .
ولا يمكن أن تكون الدولة قوية في الخارج وهي ضعيفة في الداخل . ولا يمكن أن نطالب المواطن باحترام الدولة إذا كان يرى أمامه أن القانون لا يطبق على الجميع بالمعيار ذاته .
والسيادة لا تكتمل إذا بقي قرار السلاح والحرب والسلم خارج الدولة . فكما يجب أن تكون الدولة صاحبة القرار في مؤسساتها وإدارتها وأمنها ومالها العام ، يجب أن تكون صاحبة القرار في استخدام القوة والدفاع عن الوطن .
حصرية السلاح بيد الدولة ليست موقفاً من طائفة أو حزب ، بل قاعدة من قواعد الدولة نفسها : جيش واحد ، وسلاح شرعي واحد ، وقرار وطني واحد .
لا يمكن أن تكون هناك دولة كاملة السيادة فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها .
لقد حان الوقت للخروج من دولة أمراء الطوائف إلى دولة المواطن .
ليس بإلغاء الطوائف من المجتمع ، فهذا أمر آخر ، بل بإخراج الطائفية من آليات الدولة .
ليكن لكل إنسان إيمانه وطائفته وانتماؤه الاجتماعي ، ولكن عندما يدخل مؤسسة الدولة يجب أن يدخل إليها مواطناً لا تابعاً .
حضرة الرئيس ،
أعرف أن المهمة ليست سهلة .
وأعرف أنكم ورثتم دولة مثقلة بالأزمات والانقسامات والديون والفساد ، وأن إصلاح ما تراكم خلال عقود لا يتم بقرار واحد .
لكن المرحلة لا تحتمل أنصاف الحلول .
لقد وضعتم لبنان على السكة ، والسكة وحدها لا تكفي .
المطلوب أن يصل القطار إلى الدولة التي نريدها : دولة واحدة ، بمؤسسات واحدة ، وقانون واحد ، ومواطن لا يحتاج إلى طائفة أو حزب أو زعيم كي يحصل على حقه .
المطلوب الآن أن تكملوا الطريق .
ابدأوا من الدولة نفسها : من التعيينات ، من القضاء ، من الإدارة ، من المال العام ، من المشاعات ، من الرقابة ، ومن منع المحسوبيات .
أعيدوا الاعتبار إلى الكفاءة والشفافية والعدالة ، وأعيدوا إلى المواطن شعوره بأن الدولة دولته ، لا دولة الطائفة ولا دولة الحزب ولا دولة الزعيم .
لقد خدمت هذا الوطن ثمانية وثلاثين عاماً ، ولذلك أسمح لنفسي بأن أقول بصراحة :
الوطن لم يعد يحتمل إدارة أزمته ، الوطن يحتاج إلى بناء دولته .
اعذروا مداخلتي .
فهي ليست مداخلة ضد شخصية ، ولا ضد طائفة . إنها مداخلة مواطن يرى أن الوطن في خطر ، ويرى في الوقت نفسه أن بناء الدولة ما زال ممكناً .
لبنان يحتاج إلى دولة لا إلى توازنات بين الدول داخل الدولة .
لبنان يحتاج إلى مواطن لا إلى تابع .
لبنان يحتاج إلى مؤسسات لا إلى أشخاص .
وهذا ، هو الطريق الذي لا سبيل لنا إلا أن نسلكه .


