
لبنان أمام مشهد سياسي يعيد خلط الأوراق.
فالقوات اللبنانية باتت في موقع داعم لبعبدا، ومؤيّد لمسار حكومة نواف سلام في ملفات الدولة والسيادة، فيما اختار التيار الوطني الحر التموضع في المعارضة، وصولًا إلى خوض مواجهة نيابية مباشرة مع الحكومة وطرح الثقة بها.
المفارقة أن المواقع التي ألفها اللبنانيون طويلًا لم تعد على ثباتها.
فالقوات اللبنانية، التي خبرت المعارضة لسنوات، باتت اليوم أمام امتحان الموالاة، فيما انتقل التيار الوطني الحر إلى ضفة المعارضة، حيث تُختبر المواقف بقدر ما تُرفع الشعارات.
هنا تسقط راحة التنظير ويبدأ امتحان الممارسة: ماذا يفعل كل طرف حين لا يعود الموقف كلامًا يُقال، بل قرارًا تُدفع كلفته في مجلس الوزراء أو تحت قبّة البرلمان؟
والتيار الوطني الحر، من جهته، لم يكتفِ بإعلان انتقاله إلى صفوف المعارضة، بل بدأ بتفعيل أدواتها تحت قبّة البرلمان، من الأسئلة النيابية إلى التحضير للاستجوابات، في محاولة لنقل المواجهة من الموقف السياسي إلى المحاسبة النيابية.
وفي المقابل، لا تزال الحكومة تستند إلى أكثرية نيابية جدّدت لها الثقة في الجلسة الأخيرة، ما يجعل المواجهة مفتوحة بين معارضة تسعى إلى تثبيت حضورها، وحكومة تتمسّك بغطائها النيابي.
لكن السؤال الأهم يتجاوز حدود الموالاة والمعارضة : هل نحن أمام تبدّل عابر في المواقع فرضته لحظة سياسية، أم أن لبنان يشهد بداية إعادة رسم لخريطة التحالفات والاصطفافات، بما قد يفتح الباب أمام مشهد سياسي مختلف عمّا ألفه اللبنانيون طوال السنوات الماضية؟
في السياسة اللبنانية، تتبدّل المواقع وتتغيّر التحالفات، لكن المعيار يبقى واحدًا : مَن يصمد عند موقفه حين تنتهي سهولة الكلام، وتبدأ كلفة تنفيذ القرار؟


