
بات مسلّمًا به أن لبنان يراوح في قلب مأزق مفتوح ومتسع، في الوقت عينه، وفي اتجاهات واحتمالات متعددة.
السبب الرئيسي لهذا المأزق العميق والخطير، التغوّل والعدوانية الإسرائيلية، إضافة إلى القرار، أو القرارات والاتجاهات المتهورة التي قررها حزب الله المرتبط بإيران، وعلى وجه الخصوص منذ السابع من أكتوبر 2023. بطبيعة الحال، يجب ألا ننسى أو نغضّ النظر عن القرارات الأخرى السابقة للحرب، التي ساهمت في تدمير قسم كبير من فرص لبنان للنهوض والازدهار والاستقرار.
الراهن أن الكارثة التي تسبب بها حزب الله للبنان، بفعل نتائج العدوان عليه، أجبرت البلاد ووضعتها بين يدي سطوة إسرائيل، المرعية أميركيًا، والمتربصة والمنتظرة للفرصة، لكي تمسك برقبة لبنان وأنفاسه، وتسيطر عليه بكل الاتجاهات، وهذا ما حدث بالفعل.
حزب الله، بتهوره وارتباطاته وسياساته التابعة، قدّم المناسبة وأتاح الفرصة، وإسرائيل أمسكت بهذه السانحة، بل كانت تنتظرها وتأمل بها، فاستغلتها، وستستغلها إلى آخر ما يمكنها، من مجال وحدود.
البند، أو الطابق الثاني، من المأزق اللبناني يكمن في السياسة والقرارات التي اعتمدها الحكم اللبناني بقيادة الرئيس جوزاف عون، بالتشارك، ولو الشكلي أو النسبي، مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام.
بات ثابتًا أيضًا أن قرار الرئيس عون في الدخول إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، من دون دراية أو تروٍّ أو دراسة متمهلة ومتعمقة، ورّط لبنان والدولة والحكم فيه في مأزق بالغ الخطورة. فلبنان الرسمي بات يبحث عن معين ومساعد للخروج من مأزق المراوحة والتسلط الإسرائيلي، وهو لذلك يسعى، بين العربية السعودية وبعض الدول الغربية الصديقة، للحصول على مساعدات كلامية أميركية حتى الآن، من دون قدرة على لجم إسرائيل أو الحصول على تنازل ولو طفيف منها.
الدليل على ذلك إقدام الرئيس على إطلاق صرخة استغاثة خجولة بوجه الأميركيين، عبر مقالة مستشاره جان عزيز، يقول فيها: “لا تسمحوا لوجهة نظر حزب الله بالانتصار”.
إضافة إلى إيفاد رئيس الوفد المفاوض إلى الفاتيكان، تكملةً لاستعطافه بابا روما التدخل لمصلحة لبنان.
سيأتي القول، من الجهة المقابلة، ما من بديل آخر للمفاوضات، وهذا صحيح، وهي الطريق الأسلم والأقل خسارة وتسببًا بالخسائر.
الشرط لاعتماد هذا الخيار أن تكون المفاوضات مع العدو، والاستعداد لها، على قدر المسؤولية والكفاية والإعداد والتنبه.
دلت وقائع ونتائج المفاوضات على أن لبنان لم يفاوض بالمستوى المطلوب، ما أفضى إلى اتفاق إطار هش ومرتبك ومحمل بالثقوب والثغرات، وكأنه لم يناقش أو يفاصل، بل اكتفى بالتوقيع.
الدليل، مطالبة لبنان ورئيس الحكومة، مؤخرًا، بجدول زمني للانسحاب والمناطق التجريبية. والدليل الآخر، النتائج الهزيلة والمذلة لما حصل عليه لبنان، وآخرها نتائج التجربة الأولى للمنطقة التجريبية الأولى، أي “الزوطرين”، حيث استكملت إسرائيل عملية التدمير والعدوان من دون رادع أو وازع، أو وسيط ضاغط وقادر على التأثير، وله القدرة على الضغط والكلمة المسموعة.
أغلب الأطراف المعنية باتت في المأزق، من دون أن تملك قدرة على التقدم أو النجاح ولو بمقدار أنملة.
تكررت أمامنا، في الأيام الماضية، ثلاثة نماذج لارتباك عميق من المعنيين والمسؤولين، في الأيام القليلة الماضية.
النموذج الأول؛ ظهر في كلام رئيس الجمهورية المتحمس والمندفع دائمًا للإنجاز، من استقبال المديرين العامين والوزراء، إلى متابعة وضع المشاريع الكبيرة والصغيرة، حتى لو كانت على مستوى الاستعداد لمتابعة معاملات الضمان الاجتماعي أو حتى بعض المشاريع السياحية!
ووسط هذه الاندفاعة، كثيرًا ما يختلط الغث بالسمين والفرعي بالرئيسي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ألقى رئيس الجمهورية كلمة خلال رعايته وضع حجر الأساس لمشروع بناء مساكن تعاضد للرتباء والأفراد في الجيش اللبناني، في منطقة المرداشة- بعبدا، وقال في سياق الخطاب متوجهًا إلى أفراد وقادة الجيش اللبناني: “أنا أعرف وأنتم أيضًا تعرفون، أنكم أنتم الأساس، وليس فقط الحجر الذي نبني عليه دولتنا، فأنتم الصخرة التي هي أساس الوطن”!
جميل هو كلام الرئيس، لكن فاته، أو فات من صاغ له خطابه، أن الجيش يحتاج إلى الاحترام والدعم والمساندة باستمرار، وأن قيمته غالية وثمينة جدًا عند اللبنانيين، لكن الشعب اللبناني، بتنوعه وعيشه المشترك ووحدته، هو الأساس والصخرة التي يُبنى عليها لبنان. والجيش العزيز والمحترم في لبنان هو لحماية هذه الصيغة، كما أن هذه الصيغة، بتماسكها، قادرة على حماية الجيش!
وبهذا يكون الرئيس، وعلى الأغلب، من دون قصد، قد ضيّع البوصلة للموضوع الأساسي، الذي يقوم عليه لبنان، في هذا الكلام المتعجل وغير المدروس.
النموذج الآخر للخروج عن الموضوع وإضاعة البوصلة جاء خلال الزيارة الناجحة والمعتبرة لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
ففي كلمته الشاملة والمهمة، ظهر الرئيس سلام وكأنه قد نسي نفسه مع من يتكلم. ففي أكثر من عبارة أو مقطع من الخطاب، نسي أنه يخاطب مجلس الأمن، ظنًا منه، بسبب التباس ما، أنه أمام مجلس النواب اللبناني الذي يتولى المحاسبة والانتقاد بعض الأحيان.
يقول الرئيس سلام في بعض فقرات كلمته، متوجهًا إلى الحضور: “لقد تولّينا المسؤولية وبلدنا يواجه ثلاثة تحديات مصيرية: أن يستعيد ثقة شعبه بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت وما خلّفاه من مآسٍ وجراح؛ وأن يستعيد قراره الوطني، بحيث لا تكون سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلحة… إلخ”.
في العادة، يمكن استخدام هذه العبارات والجمل، وهذا المنحى من الكلام، لعرض سياسة الحكومة أمام مجلس النواب، وليس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، غير المعنية بالمشكلات التي رافقت أو واكبت وصول الحكومة.
كان بإمكان الرئيس سلام أن يركز أكثر على التحديات السيادية وتدخل وتغوّل إسرائيل وإيران السافر في شؤون لبنان، وليس على القضايا التي تسبب بها فشل الدولة ومسؤوليها ومؤسساتها، ومنها انفجار المرفأ.
ما علاقة الأمم المتحدة بانفجار المرفأ وأغلب أسبابه، إهمال الدولة والمؤامرة عليها؟
أكثر النماذج الفاقعة للحديث خارج الموضوع، أو الهروب منه، هو الكلام الذي صدر عن أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله.
الشيخ قاسم تحدث مطولًا عن معاني شعارات المعارك التي خاضها حزبه، من “العصف المأكول” إلى “أولي البأس” إلخ، فيما المطلوب شرح أسباب النكبة التي وقع فيها أهل الجنوب والشعب اللبناني.
نسي الشيخ قاسم أن قرارات حزبه دمّرت الجنوب ومدنه وقراه، وجعلته محتلاً. فاتجه نحو الدولة وقصورها وضعفها المعروف، متجاهلًا السبب الأساسي، أي قراراته وحزبه في إدخال لبنان في الأتون وفم التنين الإسرائيلي.
الشيخ قاسم، وبعد سنتين على اغتيال السيد نصرالله، لم يخبر جمهوره واللبنانيين كيف تم اختراق عملية البيجر، ومن كان خلف هذا الاختراق، وأسبابه، وما هي القرارات التي قررها الحزب لمحو آثار هذه الكارثة؟
الشيخ قاسم لم يخبر جمهوره واللبنانيين كيف تم اختراق صفوف حزبه من العدو، ما سهّل اغتيال السيد نصرالله وخليفته في حصنيهما تحت الأرض.
لماذا لم يُخرَج السيد نصرالله من الضاحية، بعد انكشاف أن الحزب مخترق، نتيجة ضربة البيجر وتصفية قادة الرضوان؟
ارتباك المسؤولين في الدولة يدفعهم للنقار والقضايا الصغيرة والتركيز على الهوامش، أما المواضيع الرئيسية التي يتوجع الشعب منها، من ربطة الخبز إلى قارورة الغاز وصفيحة البنزين، على أبواب بدء العام الدراسي وفصل الشتاء، فهي بعيدة عن المعالجة الحقيقية وخارج البحث والحل الجدي.


