في كتابي القضاة والمحامون: مواقف وطرائف (ص 11) اوردت ما سبق وكتبته مجلة الحواث في الثمانينات على لسان المفكر والكاتب عبدالله الحاج:
“…عندما إنتخب المحامي ريمون إده عميدا للكتلة الوطنية كان كثير الحماسة والاهتمام والشكوى والنرفزة، فجاءه المرحوم عبدالله الحاج وقال: يا عميد كفى ركضا ونرفزة..ان الشعب اللبناني لا يشعر بالمصيبة الا اذا اصابته هو شخصيا…
وروى عبدالله الحاج كيف انه عندما كان طفلا شاهد عملية دمغ البقر بخاتم ملكية والده لها، إذ كانت البقر منهمكة في تناول علفها وهي واقفة في صف واحد الى جانب بعضها البعض، وكان الشخص الذي يحمل الخاتم وهو ملتهب بالنار يغرزه في جلد البقرة التي تصرخ من الالم فيما تستمر جارتها الى جانبها في التهام العلف وكأن ما جرى لايعنيها وكأن النار لن تأتيها”.!
نعم. لن نعود الى الحروب السابقة في لبنان، حيث كان الاهل والاصدقاء يمشون في جنازة شاب قتل في حرب الشوارع، وفي الشارع الملاصق يسهر الناس في المطاعم والمقاهي وكأن الدنيا بألف خير. كما اننا لن نثير ما يحصل حالياً من قتل وتهجير وتهديم المنازل والقرى في منطقة، والسهر والرقص والحفلات في مناطق اخرى. بل نثير مواضيع حياتية داخلية بعيداً عن الحروب. اذ ما ان تقترب نهاية الشهر وتبدأ فواتير المولدات الكهربائية بالورود، حتى تقوم القيامة على شاشات التلفزة والاذاعات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً اذا جاءت مرتفعة كالشهر الماضي. ولكن هل لاحظ الشعب اللبناني كيف همدت الاصوات وخفتت ولم يعد احد يتكلم. وبالعربي الدارج “انقطع حسهم”. هذا ما يعتمد عليه اصحاب النفوذ الذين يملكون المولدات الكهربائية، والذين للاسف قد يساهمون في عدم تأمين الكهرباء من قبل الدولة، كما تفعل جميع دول العالم. ولم نعد نتجرأ على قول عبارة حتى في مجاهل افريقيا، لان رجال الاعمال اصدقائي هناك قالوا لي ان آخر بلدة في افريقيا فيها كهرباء وحتى في الغابات.
اما العبرة فهي الآتية: عندما يكون الانسان في موقع السلطة يكون هو المسؤول. والمسؤول غير المواطن العادي. المواطن يتمنى اما المسؤول فيقرر. وحتى يقرر يجب ان يقوم بواجباته كاملة، وان يعرف كيف يتصرف وكيف يستفيد من طاقات ابناء بلده ومن افكارهم. فيخفف مثلاًمن عقد لقاءات غير مفيدة، منها مع رئيس حزب يضمه وزوجته واولاده، او رؤساء بلديات او رؤساء مصالح او مسؤولين يأتون لطلب خدمة…الخ. بل على المسؤول الناجح الذي يود العمل في سبيل وطنه، ان يشرف (نعم يشرف ومن غير الضروري المشاركة شخصياً) على عقد اجتماعات من اصحاب الاختصاص والخبرة والحكمة وبعد النظر، والذين يتمتعون بالاخلاق والبعد عن المصالح الشخصية، لدرس الملفات الداخلية المهمة ومنها مثلاً: ملف كيفية تطوير العمل في المرافق العامة مثل المطارات والمواني والاملاك البحرية والبرية وغيرها وغيرها تمهيداً لاستثمارها وجني الدولة الارباح منها. كذلك درس ملف اموال المودعين والكهرباء والسدود وجلب الاستثمارات المختلفة، ووقف الهدر والرشى والسرقات.
قلت ولا ازال اقول ان الحكم في لبنان اصعب من حكم الصين واسهل من حكم سويسرا. المهم النية والارادة في العمل.


