انتهت مناقشة الحكومة بمنحها الثقة بـ68 صوتًا مقابل 12 وامتناع نائبين. أُقفلت الجلسة، وحُسمت الأرقام، وطُويت الأوراق… لكن خارج المجلس بقي السؤال الذي لا تحسمه أكثرية ولا تسقطه أقلية: ماذا تغيّر في حياة المواطن؟
المواطن لا ينتظر خطبًا طويلة، ولا تعنيه حفلات المزايدة والاستعراض السياسي، المنقولة مباشرةً عبر وسائل الإعلام إلى كل بيت. يسمع الكلام، ويتابع السجالات، ويرى النواب يتبارون في المواقف، فيما يتدخّل رئيس مجلس النواب نبيه بري مرارًا لإعادة النقاش إلى مساره واحتواء الاشتباك الكلامي داخل القاعة ولو كان (بالنظام ) . ثم يطفئ المواطن الشاشة، ليجد نفسه وجهًا لوجه أمام حقيقة لا تحتاج إلى منبر ولا إلى ميكروفون: فاتورة تنتظره، وراتب يتآكل، ورغيف يرتفع ثمنه، وكهرباء تستنزف جيبه، ودواء يبحث عنه، ومستقبل عائلته معلّق على قدرة تتراجع يومًا بعد يوم.

وهو، في الأساس، لا يطلب المستحيل. يريد دخلًا يصون كرامته، ورغيفًا لا يتحوّل إلى همّ، وكهرباء لا تأكل ما تبقّى من راتبه، ودواءً لا يصبح الحصول عليه رحلة عذاب، ودولةً تحميه بدل أن تتركه وحيدًا في مواجهة أزماته، وقانونًا واحدًا لا أبواب خلفية فيه ولا استثناءات.
واليوم، فيما تتزاحم تحت قبّة البرلمان ملفات السلاح والسيادة والاقتصاد والرواتب والكهرباء، تتّسع الهوّة بين لغة القاعة ووجع الشارع. هناك تُقاس المواقف بالكلمات والأصوات، وهنا تُقاس الحياة بما بقي في الجيب، وبما يستطيع الأب أن يؤمّنه لعائلته في آخر الشهر.
فالمواطن لا يحصي ساعات الجلسات، ولا عدد المداخلات، ولا حرارة السجالات. ميزانه أبسط وأقسى: ماذا تغيّر في حياته؟ ماذا تحسّن في دولته؟ وماذا بقي من كرامته بعدما استنزفت الأزمات قدرته على الاحتمال؟
يا ساسةَ المجلس…
المواطن يرى، ويسمع، ويسأل، وذاكرته ليست قصيرة. فلا تجعلوا المسافة بين ما يُقال تحت القبّة وما يُعاش في الشارع أوسع من أن تردمها الأفعال. فالناس شبعت كلامًا، وما عادت تنتظر بلاغةً من على المنابر، بل دولةً تحمي حقوقها، وقانونًا يصون كرامتها، وقراراتٍ تلمس أثرها في حياتها، لا أن تسمع عنها في نشرات الأخبار.
فالبرلمان ليس مسرحًا للكلام، ولا صندوقًا لعدّ الأصوات فحسب؛ هو بيت التشريع والمحاسبة، والمكان الذي يُفترض أن تدخل إليه أوجاع الناس لتخرج منه قراراتٌ تخفّفها، وحلولٌ تعالج أسبابها.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الكلام عن إنقاذه… بل إلى من يبدأ فعلًا بإنقاذه.


