حين تضيق الجغرافيا بالسياسة، ويصبح النفط رهينة الممرات البحرية، يجد لبنان نفسه أمام أزمة تتجاوز قدرته على الاحتمال، لكن لا تتجاوز حقه في الحياة.
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها ببيان سياسي أو وساطة دبلوماسية. نحن أمام مشهد إقليمي تتداخل فيه الجبهات، وتتقاطع فيه المصالح الدولية، وتتحول فيه الممرات البحرية إلى أدوات ضغط، فيما تدفع الشعوب ثمن الصراع من أمنها واقتصادها ومستقبل أبنائها.
من جنوب لبنان إلى اليمن وباب المندب، ومن مضيق هرمز إلى جزيرة قشم، تتسع رقعة التوتر وتتغير الحسابات. وما كان يُقرأ سابقًا كأزمات منفصلة بات اليوم جزءًا من منظومة واحدة، تتأثر فيها حركة النفط والتجارة، وتتبدل فيها موازين القوى، وتزداد فيها احتمالات انتقال التداعيات من ساحة إلى أخرى.
في اليمن، أعاد التصعيد العسكري حول باب المندب فتح ملف أمن الملاحة العالمية. وتفيد تقارير حديثة بأن جماعة أنصار الله الحوثية تقدمت على الساحل الغربي، وسيطرت على مناطق ومواقع استراتيجية، في تطور يهدد خطوط التجارة والطاقة ويضع المملكة العربية السعودية أمام تحديات أمنية وعسكرية متزايدة. وقد تزامن ذلك مع تقارير عن اضطراب صادرات النفط السعودية بعد تعرض مسارات بديلة لمضيق هرمز للتهديد.
أما مضيق هرمز، فليس مجرد ممر مائي في خارطة جغرافية. إنه أحد الشرايين الأساسية التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية. وكلما اقتربت المنطقة من إغلاق هذا الشريان أو تعطيله، يصبح ارتفاع أسعار النفط انعكاسًا مباشرًا لمستوى الخطر السياسي والعسكري.
غير أن النفط ليس سوى بداية القصة. فارتفاع كلفة الطاقة والشحن ينعكس على الغذاء والدواء والنقل والإنتاج، ويصل في النهاية إلى جيب المواطن الذي لم يعد يملك ترف الانتظار.
لبنان: أزمة داخلية في قلب عاصفة إقليمية
كان لبنان قد دخل عام 2026 وهو يحاول استعادة شيء من الاستقرار بعد سنوات الانهيار المالي. لكن التصعيد العسكري أعاد الاقتصاد إلى دائرة الخطر.
بحسب البنك الدولي، يُتوقع أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال عام 2026، بعد نمو بلغ 4.2% في عام 2025. كما يُتوقع أن ترتفع نسبة التضخم إلى 17.5%، في ظل ارتفاع كلفة الشحن والطاقة وتراجع النشاط الاقتصادي. وتبقى إعادة هيكلة القطاع المصرفي والدين العام من الملفات الأساسية التي لم تجد طريقها إلى الحل النهائي.
هذه الأرقام لا تعني شيئًا لمن يقف أمام صندوق المدرسة عاجزًا عن تأمين الكتب والقرطاسية، أو لصاحب مؤسسة يحاول دفع رواتب موظفيه، أو لعائلة تحسب كلفة النقل والكهرباء والغذاء قبل أن تقرر إن كانت قادرة على الاستمرار.
لقد أصبحت الأزمة الاقتصادية في لبنان أزمة قدرة على الاستمرار. فالمؤسسات التعليمية والصحية والإنتاجية لا تحتاج إلى خطابات تضامن فقط، بل إلى بيئة تسمح لها بالعمل، وإلى سياسات تحميها من الانهيار المتدرج.
والعام الدراسي الجديد يختبر هذه القدرة بصورة قاسية. فبحسب اليونيسف، تضررت 340 مدرسة في لبنان خلال التصعيد الأخير، بينها 17 مدرسة دُمرت بالكامل، فيما يواجه نحو 100 ألف طفل خطر عدم الوصول إلى صفوفهم إذا لم تُستكمل أعمال الترميم والتأهيل.
التعليم هنا ليس قطاعًا ينتظر دوره بعد الأمن والاقتصاد. إنه جزء من الأمن الوطني نفسه. فكل يوم يخرج فيه طفل من المدرسة هو يوم إضافي في مسار الخسارة، وكل مؤسسة تعليمية تغلق أبوابها هي نافذة أخرى تُغلق أمام المستقبل.
ماذا يفعل الحكم والحكومة؟
السؤال لم يعد: هل يستطيع لبنان تحمل أزمة جديدة؟ بل: هل تملك الدولة خطة واضحة للتعامل مع أزمة مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي؟
إن مسؤولية الحكم والحكومة في هذه المرحلة لا تختصر بإدارة الملفات اليومية، ولا بإصدار مواقف عامة. المطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى إدارة الطوارئ، ومن انتظار المساعدات إلى بناء آلية وطنية للتعامل مع المخاطر.
ويفترض ذلك، في الحد الأدنى، خمسة مسارات متوازية:
أولًا: حماية الأمن الوطني.
تثبيت سلطة الدولة، ودعم الجيش والمؤسسات الأمنية، والعمل على منع لبنان من التحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ولا يمكن لأي خطة اقتصادية أن تنجح في ظل غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي.
ثانيًا: حماية القدرة الشرائية.
وضع آلية واضحة لمراقبة أسعار السلع الأساسية، وتأمين مخزون استراتيجي من المواد الحيوية، ومواجهة الاحتكار والاستغلال، خصوصًا في الغذاء والدواء والمحروقات.
ثالثًا: حماية المؤسسات.
المدارس والمستشفيات والجامعات والمصانع ليست مجرد مرافق اقتصادية، بل هي البنية التي تحفظ المجتمع من التفكك. لذلك يجب أن تتضمن أي خطة طوارئ دعمًا مباشرًا للمؤسسات المهددة بالإغلاق، وتسهيلات مالية وضريبية وإدارية تسمح لها بالاستمرار.
رابعًا: استكمال الإصلاحات المالية.
لقد أقرّ صندوق النقد الدولي بأن التعديلات الأخيرة على قانون معالجة أوضاع المصارف تشكل خطوة مهمة، لكنه شدد على ضرورة تنفيذ الإصلاحات فعليًا، لا الاكتفاء بإقرارها. ويبقى إصلاح القطاع المصرفي وإعادة تنظيم المالية العامة شرطين أساسيين لاستعادة الثقة.
خامسًا: إدارة العلاقة مع الخارج.
لبنان لا يستطيع عزل نفسه عن محيطه، لكنه يستطيع أن يحافظ على قراره الوطني، وأن يطلب الدعم الدولي وفق خطة واضحة، لا وفق ردود فعل موسمية. فالمساعدات التي لا تُترجم إلى إصلاحات واستثمارات مستدامة تبقى مجرد تأجيل للأزمة.
ماذا ينتظر اللبنانيون؟
ينتظر اللبنانيون أكثر من مجرد معرفة ما إذا كانت الجبهة ستتوسع أو تنحسر. إنهم ينتظرون أن يعرفوا كيف سيؤمنون خبزهم، وكيف سيحمون أبناءهم، وكيف سيحافظون على أعمالهم، وكيف سيستمر أبناؤهم في التعلم.
ينتظرون دولة تقول لهم بوضوح: ما الذي نملكه؟ وما الذي لا نملكه؟ وما الذي نخطط له؟ وما الذي نطلبه من المجتمع الدولي؟ وماذا يمكن للمواطن أن يتوقع خلال الأيام والأسابيع المقبلة؟
فالمواطن لا يطلب المستحيل. إنه يريد وضوحًا في زمن الغموض، وعدالة في زمن الضيق، وحماية في زمن الخوف.
ولعل أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط ارتفاع كلفة النفط أو احتمال اتساع الحرب، بل أن يتحول الانتظار نفسه إلى نمط حياة. أن يعتاد الناس انقطاع الخدمات، وتأجيل الإصلاحات، وتراجع التعليم، وتآكل القدرة الشرائية، حتى يصبح الانهيار أمرًا طبيعيًا.
وهنا تكمن مسؤولية الدولة والمجتمع معًا: ألا يسمحا للأزمة بأن تتحول إلى قدر دائم.
هل من أوكسجين لإنعاش الوطن؟
نعم، ما زال هناك أوكسجين، لكنه لن يأتي من أمنية أو من انتظار تبدل موازين القوى وحده.
الأوكسجين الأول هو وقف النزف. فلا يمكن بناء اقتصاد في ظل حرب مفتوحة، ولا استعادة الثقة في ظل مؤسسات عاجزة، ولا حماية المجتمع في ظل انقسام سياسي يعطل القرارات الأساسية.
والأوكسجين الثاني هو الإصلاح. فلبنان لا يحتاج إلى حلول تجميلية جديدة، بل إلى معالجة أصل الأزمة المالية والمصرفية، وإعادة بناء الإدارة العامة، وتطوير آليات الحماية الاجتماعية، وخلق بيئة تسمح للمؤسسات بالاستثمار والعمل.
أما الأوكسجين الثالث فهو الإنسان. إنقاذ لبنان لا يبدأ فقط من المصارف والموازنات، بل من حماية المدرسة والمستشفى والجامعة والمصنع، ومن الحفاظ على كرامة المواطن وقدرته على الإنتاج.
لقد أثبت اللبنانيون، رغم كل ما مروا به، أنهم قادرون على إعادة بناء حياتهم في أصعب الظروف. لكن هذه القدرة الشعبية لا تعفي الدولة من مسؤوليتها، ولا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لاستمرار غياب التخطيط.
الشمس لا تغيب إلى الأبد
قد يبدو المشهد قاتمًا، وقد تكون الأيام المقبلة محملة بمزيد من المخاطر. لكن التاريخ لا يُكتب فقط في لحظات الانتصار، بل أيضًا في لحظات الصمود.
لبنان ليس مجرد مساحة تتنازعها الجغرافيا السياسية. إنه مجتمع حي، وذاكرة، ومدارس، وجامعات، وقرى، ومدن، وعائلات، وأجيال ترفض أن يكون مستقبلها رهينة الحروب.
وإذا كان الشرق الأوسط يعيش اليوم على صفيح ساخن، فإن لبنان لا يملك ترف تجاهل الخطر، لكنه يملك فرصة أن يحول أزمته إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة: ماذا نريد من دولتنا؟ وكيف نحمي قرارنا؟ وكيف نعيد بناء اقتصادنا؟ وكيف نمنع أن يرث أبناؤنا أزماتنا نفسها؟
لا أحد يستطيع أن يضمن متى تنتهي الحرب، أو متى تستقر أسعار النفط، أو كيف ستتغير موازين القوى في المنطقة. لكن يمكن للدولة أن تختار منذ الآن ألا يكون لبنان ضحية الانتظار.
فالشمس تشرق كل يوم، ولو حل السواد كل مساء. وما يحتاجه لبنان ليس وعدًا بأن الغد سيكون سهلًا، بل إرادة تجعل من كل صباح خطوة جديدة نحو الخروج من العتمة.
إن الأمل ليس أن نتجاهل الخطر، بل أن نواجهه بعقل الدولة، وبكرامة المواطن، وبإيمان لا ينكسر بأن هذا الوطن، مهما أثقلته الأزمات، ما زال يستحق أن يُنقذ.
جوزيف مخايل نخله


