تلقّى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق العماد ميشال سليمان، صباح اليوم، رسالة من العميد الركن المغوار المتقاعد عبد الله ضاهر، رفيق السلاح الذي لم يتوقف يومًا عن التطلّع إلى الجيش ودوره، وعن الإيمان بتفانيه في سبيل الوطن والاستقلال.
وتأتي هذه الرسالة في يوم يصادف انعقاد اجتماع في الإليزيه، برئاسة الرئيسين الفرنسي واللبناني، وبحضور الملك عبد الله، ومشاركة عدد من قادة ورؤساء أركان جيوش صديقة، يتمحور البحث فيه حول دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته.
وفي هذا السياق، تستعيد الذاكرة فرصة ثمينة أضاعها لبنان في السابق، تمثّلت في خسارة هبة سخية جدًا من المملكة العربية السعودية، بلغت قيمتها أربعة مليارات دولار، وكان من شأنها أن تشكّل دعمًا استثنائيًا للمؤسسة العسكرية.
فمتى نقلع عن إضاعة الفرص؟
لبنان اليوم جريح، وجنوبه مدمّر، وجزء عزيز من أرضه أصبح تحت الاحتلال، فيما خسر الوطن شبابًا أعزاء، بين من قضى ومن جُرح ومن اضطر إلى الرحيل، نتيجة انتزاع قرار الحرب والسلم من يد الدولة، وامتلاك ترسانة من السلاح يتعذّر على مالكيها استخدامها، والتفرّد بمغامرات عسكرية جلبت الويلات على البلاد.
أما آن الأوان لأن تستعيد الدولة قرارها كاملًا، وأن نضع مصلحة لبنان وجيشه واستقلاله وسيادته فوق كل اعتبار؟
ولعلّ المفارقة أن هذا السؤال ليس جديدًا. فالمشهد اليوم أعاد إلى الذاكرة مقالةً للرئيس ميشال سليمان، نشرها في جريدة «اللواء» اللبنانية بتاريخ 23 تشرين الثاني 2021، تحت عنوان «أكاد أبكي وطنًا أضعناه».
يومها استعاد قسمه العسكري وقسمه الدستوري، وكتب بمرارة عن انحسار سيادة الدولة، وخروقات الدستور، وانتهاك القوانين، واستعراضات السلاح غير الشرعي، قبل أن يختم برجاء أن يبقى أولاده وأحفاده في ربوع الوطن، في كنف جيش بلاده وحمايته.
وبعد نحو خمس سنوات، يعود المقال إلى الواجهة، لا بوصفه صفحةً من الأرشيف، بل لأن أسئلته ما زالت حاضرة، فيما تبدو الحاجة إلى الدولة والجيش واستعادة القرار أكثر إلحاحًا.
وفي ما يأتي نص المقالة كما نُشرت يومها:
أكاد أبكي وطنًا أضعناه
الرئيس العماد ميشال سليمان
أرتشف قهوتي الصباحية اللبنانية (لا التركية)، في هذا الأحد المبارك وعيناي ترصدان من نافذة منزلي في الحازمية، باقة أعلام ورايات وطنية تردان بها الجادة المؤدية إلى قيادة الجيش عشية عيد الاستقلال، ودار في مخيلتي شريط ذاكرة العقود السبع سنوات بعزها وأمجادها لفخرها وازدهارها وكذلك بحروبها ومآسيها، فلم أجد فيها أقسى وأمرّ وأصعب من زمننا هذا.
استعدت القسمين ورددتهما بعفوية قسم «الحفاظ على علم بلادي والذود عن وطني لبنان» في المدرسة الحربية عام 1970، وقسم يمين «الإخلاص للأمة والدستور واحترام القوانين» في المجلس النيابي عام 2008. كالوَمض تلمع اليوم في بالي ذكرى ميلادي الثالثة والسبعون تشع معها ذكرى الاستقلال الثامنة والسبعون التي ستشرق مع شمس الغد، وترتسم أمامي حدود لبنان الدستورية وقد انحسرت عنها سيادة الدولة كما تبدو حال الأمة المزرية وخروقات الدستور وانتهاك القوانين واستعراضات السلاح غير الشرعي وقد أضحت آفة تشريعية سنوية تسابق المناسبة الوطنية بتكرار مريب ومقصود في الجرود والقرى وفي الأحياء السكنية وهنا وهناك بينما عروض الاستقلال في انكفاءة إلى داخل الثكنات…
تنتابني موجة كآبة وأكاد أبكي ملكًا أضعناه ولم نحسن المحافظة عليه…
أسدل الستارة وأنسحب إلى حيث أحضّر ركوة قهوة أخرى، عربية طبعًا (لا أعجمية)، بانتظار ذكرى السنة القادمة على أمل أن تفرز انتخابات اليوم نقيبًا للمحامين يدعم القضاء المستقل ويجاهر بضرورة حصر السلاح بيد دولة القانون، وعلى رجاء أن يبقى أولادي وأحفادي في ربوع الوطن كي يحتفلوا بالعيدين في كنف وحماية جيش بلادي.


