
للمرّة الأولى، ربما، يتوحّد اللبنانيون من دون طاولة حوار، أو مؤتمر مصالحة، أو تسوية سياسية، أو حتى خطاب عن الوحدة الوطنية…..«وحّدهم الغلاء».
وحّدهم القلق من الغلاء أمام صندوق المحاسبة، والفاتورة نفسها في المستشفى والصيدلي والمدرسة، ومحطات الوقود ….والسؤال نفسه في نهاية كل شهر : كيف نبقى لنستمر؟
لا طائفة تحمي من الفقر، ولا حزب يدفع فاتورة، ولا زعيم يستطيع إقناع ربّ العائلة بأن راتبه يكفي، بعدما بات الدخل الذي كان يؤمّن حياةً مقبولة عاجزًا عن ملاحقة أبسط متطلّباتها. فالغلاء، حين يدخل البيوت، يُسقط كل الاصطفافات أمام همّ واحد: كيف نحافظ على الحدّ الأدنى من حياة كريمة؟
لكن المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار وحده. الأخطر أن اللبناني بات يشعر بأنه وحيد في مواجهة الغلاء؛ دخله مسؤوليته، وطبابة عائلته مسؤوليته، وتعليم أولاده مسؤوليته، وكهرباؤه وماؤه ونقله ومسكنه مسؤوليته… ثم تأتي الدولة لتطالبه بالمزيد، وكأن واجب المواطن أن يمول دولةً لا يجدها حين يحتاج إليها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا، بل واجبًا: ماذا تعطي الدولة مواطنها في مقابل كل ما تطلبه منه؟ وأي معنى يبقى للدولة إذا كان المواطن يدفع ثمن معظم الخدمات التي يُفترض أن تكون من أبسط حقوقه؟
فالغلاء ليس رقمًا يتبدّل على رفوف المتاجر، بل استنزاف يومي للطبقة الوسطى، وانزلاق متواصل للعائلات نحو الفقر، وضرب لقدرة الشباب على بناء مستقبل في بلدهم.
وحين يصبح العمل عاجزًا عن تأمين حياة كريمة، والراتب شاهدًا على اتّساع الهوّة بين ما يجنيه اللبناني وما يحتاج إليه ليعيش، وتصبح كلفة البقاء في الوطن أكبر من قدرة أبنائه على الاحتمال، فإننا لا نكون أمام أزمة معيشية فحسب، بل أمام أزمة تهدّد بقاء اللبناني في أرضه وقدرة المجتمع على الاستمرار.
لا يكفي أن تقولوا للمواطن إن الأزمة عالمية، ولا أن تطلبوا منه مزيدًا من الصبر، وكأن الصبر سياسة اقتصادية. مسؤولية الدولة ليست أن تراقب انهيار القدرة الشرائية وتصدر البيانات، بل أن تتحرّك: تضبط الاحتكار، وتفعّل أجهزة الرقابة، وتحمي المنافسة، وتواجه التهرّب والفساد، وتضع سياسة اقتصادية تعيد الاعتبار إلى الإنتاج والعمل، وتمنع تحوّل الغلاء من أزمة عابرة إلى نمط حياة يلتهم الطبقة الوسطى ويدفع المزيد من اللبنانيين نحو الفقر.
احذروا أن يصبح الفقر أمرًا عاديًا، وأن يعتاد اللبناني التنازل كل يوم عن جزء من حياته. فالأخطر من الغلاء أن يفقد الناس الأمل بإمكان تغييره، وأن يقتنعوا بأن لا شيء ينتظرهم سوى المزيد من الأعباء والمزيد من الصبر.
اللبناني لا يريد صدقة من دولته، بل دولةً تتيح له أن يعيش من عمله، وأن يخطّط لغده، وأن يرى لأولاده مستقبلًا في وطنهم.


