لعلّ أعظم كتّاب التراجيديا لم يكن ليستطيع أن يتخيّل خاتمةً أشدّ رمزية ومأساوية: أن يستشهد بشير الجميّل، قائد المسيحيين وحلم اللبنانيين عام 1982، في يوم عيد الصليب!
شكّل بشير حالة استثنائية في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، لكنّ هذه الحالة لم تكن ابنة زمنها وحده، ولا وليدة حربٍ عابرة، بل امتدّت جذورها عميقًا في تاريخ الموارنة في لبنان، وفي حكاية شعب قاوم طويلًا كي يبقى حرًّا فوق أرضه.
ورغم أنّ علامات التديّن ومظاهره لم تكن طاغية على شخصية بشير، فإنّ الذين عرفوه عن قرب كانوا يدركون أنّ في داخله إيمانًا عميقًا. وكان محاطًا برهبان ومفكّرين مسيحيين ساعدوه على الغوص في التاريخ المسيحي في هذا الشرق، وفهم المعاناة التي عاشها الموارنة على امتداد قرون طويلة، وصراعهم المرير من أجل الحرية والوجود والكرامة.
ومن هنا، لم يكن بشير ظاهرة منفصلة عن التاريخ، بل بدا امتدادًا لذاك الوجدان المقاوم الذي حمله رجال كبار مرّوا في تاريخنا: من البطريرك دانيال الحدشيتي إلى جبرائيل حجولا، فالبطريرك إسطفان الدويهي، والمقدّمين الشجعان، ويوسف بك كرم، وطنيوس شاهين، وغيرهم ممّن رفضوا أن يتحوّل الوجود المسيحي في لبنان إلى مجرد ذكرى في كتاب التاريخ.
عبّر بشير، منذ السبعينيات، عن هذا الوجدان الماروني المقاوم، وساعدته كاريزما استثنائية وذكاء حادّ وقدرة هائلة على التقاط الأفكار واستيعابها. كان يصغي إلى مستشاريه ومثقفيه، يتشرّب أفكارهم، ثم يعيد صياغتها بلغته الخاصة: قصيرة، مباشرة، نابضة، وقادرة على الوصول إلى الناس. وهكذا تحوّلت عباراته إلى أقوال مأثورة لا تزال تتردّد حتى اليوم، واتّسعت هالته لتتجاوز لبنان إلى مسيحيي الشرق.
قبل بشير، كان المسيحيون في لبنان يحملون ذاكرة اضطهاد طويلة، كأنّهم عُلّقوا مرارًا على صليب التاريخ. لكن مع بشير، الذي دافع عن حريتهم وأسّس “القوات اللبنانية”، بدأوا يحلمون بالنزول عن الصليب.
وفي 23 آب 1982، بدا لهم أنّ الحلم تحقّق.
انتُخب بشير رئيسًا للجمهورية، وشعر المسيحيون، ربما للمرة الأولى منذ زمن طويل، بأنّ قضيتهم انتصرت، وأنّ قرونًا من الصمود والنضال والتضحيات بلغت ذروتها في تلك اللحظة. ولم يكن الأمل مسيحيًا فقط؛ فكثير من المسلمين واللبنانيين رأوا فيه فرصة لقيام دولة جديدة، ولبنان جديد يخرج من الركام.
واحد وعشرون يومًا فقط عاشوا فيها فرحة الحلم.
واحد وعشرون يومًا لامسوا خلالها خيطًا من نور، وظنّوا أنّ جلجلة لبنان شارفت على نهايتها، وأنّ القيامة باتت قريبة.
ثم جاء 14 أيلول 1982.
عيد الصليب.
ولا نعرف ما إذا كان اختيار هذا اليوم لاغتياله مقصودًا في رمزيته، وكأنّ القاتل أراد أن يعيد المسيحيين إلى صليبهم، وأن يقول لهم إنّ زمن القيامة لم يحن بعد.
دوّى الانفجار.
واستشهد بشير.
وفي لحظة واحدة، انطفأت فرحة واحد وعشرين يومًا، وعاد المسيحيون إلى الجلجلة. شعروا أنّهم يُساقون مجددًا إلى الألم، وأنّ الصليب الذي ظنّوا أنّهم بدأوا ينزلون عنه قد أُعيد إلى أكتافهم أثقل من قبل.
لكنّ الذين اغتالوا بشير أخطأوا في قراءة معنى الصليب.
ظنّوا أنّ قتل الرجل يقتل الحلم، وأنّ إسكات الصوت يُسكت القضية، وأنّ الجسد إذا غاب في التراب غابت معه الفكرة.
لم يعرفوا أنّ بشير كان قد ترك وراءه إرثًا أكبر من رجل، وحلمًا أكبر من رئاسة، وقضيةً أكبر من اغتيال.
بقيت “القوات اللبنانية” بعده تحمل صليب بشير، وتحمل معه حلمه وقضيته، وتحمل أيضًا العزم على الدفاع عن ذلك الحلم. مرّت عليها الجلجلة، والسجون، والاضطهاد، والحصار، وحاول كثيرون دفنها مع قائدها، لكنها بقيت، لأنّ الأفكار التي تُروى بالدم لا تموت بسهولة.
وبقي بشير.
بقي في الذاكرة، وفي الوجدان، وفي العنفوان، وفي كلّ من يرى لبنان وطنًا نهائيًا حرًّا سيّدًا لا ساحةً للآخرين.
ومن خطّط لاغتيال بشير ونفّذه في عيد الصليب نسي حقيقةً جوهرية: أنّ الصليب في المسيحية لم يكن يومًا خاتمة الحكاية.
بعد الصليب قيامة.
وبعد الجلجلة فجر.
ومن ظنّ أنّه بصلب الحلم يقتله، لم يفهم سرّ المسيحية ولا سرّ هذا الشعب.
فالصليب، وإن كان عند البعض جهالة، هو عند المسيحيين قوّة ونعمة ورجاء.
استشهد بشير في عيد الصليب… لكنّ الحلم لم يُصلب معه.
ونبقى!


