خلال أحداث عام 1975، لم يكن على رأس الكنيسة المارونيّة بطريركٌ قائد يمثّل فعليًّا تطلّعات المسيحيّين وهواجسهم في تلك المرحلة المصيريّة. فكلّ ما كان في مقدور البطريرك أنطونيوس بطرس خريش يومذاك هو السعي، من خلال الاتصالات مع الزعماء الروحيّين في الطوائف الأخرى، إلى وقف الحرب وإعادة الجميع إلى لغة الحوار. غير أنّ محاولاته باءت بالفشل، ولم تفلح دعواته في ردّ المقاتلين من مختلف الأطراف والطوائف والانتماءات عن ساحات القتال. كذلك، لم يذهب البطريرك إلى اتخاذ مواقف سياسيّة حاسمة توازي خطورة المرحلة.
وهذا ما يفسّر، جزئيًّا، تصاعد دور الرهبانيّات المارونيّة، ولا سيّما الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، التي رأت ضرورة بلورة جواب كنسيّ أكثر حزمًا في مواجهة تقدّم القوى «الفلسطينيّة – التقدميّة» وتصاعد المطالب الإسلاميّة. وكأنّ الرهبانيّة راحت تملأ فراغًا تركه الدور البطريركي الذي اتُّهم يومها بالانكفاء والحذر المفرط.
وهكذا، في غياب بطريرك «مقاوم»، أو، بتعبير أدقّ، في ظلّ غياب الدور الفاعل والحاسم للبطريرك الماروني، تقدّم الرهبان الموارنة إلى الواجهة، حاملين هواجس مجتمعهم، وساعين إلى الدفاع عن هويّتهم وحرّيّتهم ووجودهم، من خلال مواقف ثابتة وكفاح متواصل سجّل التاريخ الكثير من محطاته.
ومنذ بداية الحرب، صنّف الفلسطينيّون الرهبان الموارنة في خانة الخصوم الذين ينبغي الحذر منهم ومواجهتهم إذا اقتضى الأمر. ونظروا إلى جامعة الروح القدس – الكسليك باعتبارها مركزًا تُرسم فيه، بحسب اعتقادهم، مشاريع تقسيم لبنان وإخراج الفلسطينيّين منه. لكنّ الرهبان الموارنة، في رؤيتهم للبنان، لم يناضلوا من أجل وطن مسيحي مغلق، بل من أجل لبنان إسلامي – مسيحي، لا يخضع فيه المسيحيّ للقانون الإسلامي، ولا المسلم للقانون المسيحي، بل يلتقي الجميع تحت سقف دولة تحفظ حرّيّة أبنائها وخصوصيّاتهم وحقوقهم.
وفي خضمّ تلك الأحداث، كان للفلسطينيّين دور كبير في ما جرى على أرض لبنان وبين اللبنانيّين. فقد جاءت إلى لبنان مجموعات فلسطينيّة تحمل معها جراح الاقتلاع من الأرض والشعور بالظلم والاعتداء على الوطن والحقوق، وكانت مشبعة بروح الثورة والصراع المسلّح. ومع مرور الوقت، انتقلت هذه الروح إلى جزء من البيئة الإسلاميّة اللبنانيّة، وتفاقمت الانقسامات الداخليّة، واشتعلت نار الطائفيّة بين المسلمين والمسيحيّين، في ظلّ سعي التنظيمات الفلسطينيّة إلى توسيع نفوذها وزيادة عدد أنصارها وحلفائها.
وكانت أزمة عام 1975 نتيجة تراكمات وصدامات انفجرت في حرب شاركت فيها الأحزاب اليساريّة مدعومةً من منظّمات فلسطينيّة مسلّحة، في مواجهة القوى المسيحيّة التي وجدت نفسها أمام معركة اعتبرتها دفاعًا عن الوجود والهويّة والدولة، فيما وُجّهت إليها في المقابل اتهامات بالخيانة والتجديف.
ومع اندلاع الحرب اللبنانيّة، سطع نجم الأباتي شربل قسيس، الذي كان قد انتُخب حديثًا رئيسًا عامًّا للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، فجلس إلى جانب أركان «الجبهة اللبنانيّة»، وتحولت جامعة الروح القدس – الكسليك إلى ملتقى لكبار السياسيّين والقيادات المسيحيّة، وإلى مساحة للفكر والنقاش والقرار في واحدة من أخطر مراحل تاريخ لبنان الحديث.
وفي عام 1980، انتخب الرهبان الأباتي بولس نعمان رئيسًا عامًّا للرهبانيّة، فازدادت الرهبانيّة انخراطًا في دعم «المقاومة اللبنانيّة»، وبرز التباين أكثر فأكثر بينها وبين بكركي. فمن جهة، كانت شخصيّة الأباتي نعمان القويّة ومواقفه السياسيّة الحازمة، ولا سيّما في تأييد «القوات اللبنانيّة»، ومن جهة أخرى، كان نهج البطريرك خريش المعتدل والحذر، الذي افتقد، في نظر منتقديه، روح المبادرة المطلوبة في زمن استثنائي. وعلى مدى سنوات، اتّسعت هوّة الاختلاف في الرؤية والمقاربة بين الرهبانيّة وبكركي، فيما كان الكرسي الرسولي يراقب هذا التباعد وما يحمله من انعكاسات على الكنيسة والمجتمع المسيحي.
لقد أدّى الموارنة دورًا بارزًا خلال الحرب اللبنانيّة، وخاضوا معركة رأوا فيها دفاعًا عن حقوقهم في أرضهم وعن حرّيّتهم وسيادة وطنهم. وكان الثمن باهظًا، إذ سُفكت دماء كثيرة في قرى ومناطق لبنانيّة عدّة، ودفعت الجماعة المسيحيّة أثمانًا قاسية من أبنائها وبيوتها ووجودها.
ولعلّ عبّاس بيضون أصاب في وصف جانب من هذا الدور حين قال: «أعطى المسيحيّون لبنان نظامه، فهم مركز الدولة والاقتصاد والسياسة… إنَّ الدولة اللبنانيّة والثقافة اللبنانيّة إرثٌ مسيحيّ أو مارونيّ، إلاّ أنَّ ما هو أدعى إلى الفخر أنَّ الدولة هذه لم تتحوَّل مشيخةً مارونيّةً والثقافة تلك لم تصبح لهجةً أقلّويّةً».
ولم تبقَ الرهبانيّة بعيدة عن نار الحرب وفواجعها. فما أصاب اللبنانيّين من قتل وتشريد وتعذيب، أصاب رهبانها أيضًا. لم تحمهم أثوابهم الرهبانيّة من العنف، ولم تعصمهم صوامعهم وأديارهم من نار الصراع.
وفي عشاش ودير جنّين، بلغت المأساة ذروتها.
هناك، لم يعد الرهبان مجرّد شهود على الحرب، بل أصبحوا من ضحاياها. دفعوا ثمن كرامتهم وكرامة مواطنيّتهم، وتوّجوا حياتهم بإكليل الشهادة، فكانت دماؤهم أبلغ من الكلام، وصمتهم الأخير أقوى من الخطب.
سِيقوا إلى الذبح من دون أن يفتحوا أفواههم، لكنّ شهادتهم بقيت مفتوحة على التاريخ، تصرخ بصمتٍ لا يزال صداه يتردّد حتى اليوم.


