مع كل عامٍ دراسي جديد، تتجدد معاناة اللبنانيين، وكأن هذا المواطن لم يعد ينقصه من الأزمات شيء.
عامٌ دراسي يطلّ علينا وسط انهيارٍ معيشي أنهك العائلات، وأقساط مدرسية ترتفع، وكتب وقرطاسية ولوازم تعليمية تحوّلت إلى كلفة إضافية تعجز عن تحملها شريحة واسعة من اللبنانيين.
السؤال اليوم ليس: أي مدرسة يختار الأهل لأبنائهم؟
بل أصبح السؤال أكثر قسوة: هل سيتمكنون أصلًا من إبقائهم في المدارس؟
هذه ليست مبالغة، ولا محاولة لإثارة الهلع، بل واقع يعيشه المواطن يوميًا. فالأب الذي بالكاد يستطيع تأمين طعام عائلته وفواتيره الأساسية، يجد نفسه أمام أقساط مدرسية تثقل كاهله، تضاف إليها كلفة الكتب والقرطاسية والنقل وسائر المستلزمات.
فإلى أين يذهب هذا المواطن؟
نحن نعلم أن إمكانيات الدولة محدودة، ونعلم أن الأزمات التي يمر بها لبنان كثيرة ومتراكمة، لكن ضعف الإمكانيات لا يعني غياب المسؤولية، ولا يجوز أن يتحول عجز الدولة إلى فاتورة يدفعها المواطن وحده.
المطلوب من المسؤولين اليوم تحرك عاجل، ووضع خطة واضحة قبل انطلاق العام الدراسي، لأن ترك الأمور على حالها يعني ببساطة أن هناك أطفالًا قد يجدون أنفسهم خارج مقاعد الدراسة، ليس لأنهم لا يريدون التعلم، بل لأن أهلهم لم يعودوا قادرين على دفع الكلفة.
وهل هناك أقسى من أن يصبح الفقر عائقًا أمام طفل يريد أن يتعلم؟
لكن مأساة اللبناني لا تتوقف عند أبواب المدرسة.
ففي المناطق الجبلية والبقاعية، هناك معركة أخرى لا تقل قسوة: معركة التدفئة.
المازوت، الذي أصبح حاجة أساسية لا ترفًا، بات سعره يشكل عبئًا هائلًا على العائلات. ومع اقتراب فصل الشتاء، يعود السؤال نفسه: كيف سيتمكن المواطن من تأمين التدفئة لعائلته؟
عندما تقترب صفيحة المازوت من ثلاثين دولارًا، يصبح الحديث عن التدفئة بالنسبة إلى كثير من العائلات حديثًا عن قدرة مادية قبل أن يكون حديثًا عن حاجة.
فماذا يفعل رب عائلة لا يتجاوز راتبه ثلاثمائة وخمسين دولارًا شهريًا، أمام كلفة المازوت، والطعام، والدواء، والتعليم، والكهرباء، والمياه، والنقل وسائر الضروريات؟
هل يُطلب منه أن يدفئ منزله أم أن يطعم أبناءه؟
هذه ليست معادلة اقتصادية، بل مأساة اجتماعية حقيقية.
ومن هنا، فإن الدولة مطالبة بالتحرك سريعًا، لا بعد أن يبدأ الشتاء وتصل العائلات إلى مرحلة العجز. وإذا كانت الظروف المالية لا تسمح بدعم شامل، فليكن هناك دعم موجّه ومدروس للفئات الأكثر حاجة، ولا سيما في المناطق الجبلية والبقاعية التي لا تملك العائلات فيها خيارًا حقيقيًا للاستغناء عن التدفئة.
المطلوب ليس معجزة.
المطلوب أن يشعر المواطن أن هناك دولة تقف إلى جانبه، وأن هناك من يسمع صوته قبل أن يتحول صمته إلى يأس.
لقد دفع اللبناني ما يكفي من الأثمان، وتحمل ما يفوق قدرته على الاحتمال. واليوم يقف أمام موسم دراسي جديد وموسم شتاء جديد، وكلاهما يحمل معه أعباء جديدة لا يعرف كيف سيتحملها.
فيا أيها المسؤولون، لا تنتظروا أن يخرج الأطفال من المدارس بسبب الفقر، ولا أن تنطفئ المدافئ في البيوت بسبب العجز.
تحركوا قبل فوات الأوان.
فالدولة لا تُقاس فقط بما تملك من أموال وإمكانات، بل بما تفعله عندما يكون مواطنوها في أمسّ الحاجة إليها.
التعليم لا يحتمل التأجيل، والدفء ليس رفاهية، وكرامة المواطن ليست بندًا قابلًا للحذف من الموازنة.
واللبناني الذي صمد أمام كل هذه الأزمات، يستحق في النهاية دولةً تصمد إلى جانبه.


