نقولا الياس حنا
منذ عام 2019، يقف المودعون أمام مصارفهم مطالبين بأموالٍ جمعوها (بعرق جبينهم) من رواتبهم وتعويضاتهم ومدّخرات أعمارهم. لم يطلبوا منحة من الدولة، ولم يقترضوا من المصارف؛ بل أودعوا أموالهم لديها بموجب عقود واضحة، على أساس أن الوديعة حقٌّ تُعاد إلى صاحبها عند استحقاقها.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا: حُجزت الودائع، وفُرضت قيود غير قانونية وُصفت تلطيفًا بـ«الإجراءات المصرفية»، فيما تُرك كل مصرف يحدّد لمودعيه مقدار ما يمكنهم سحبه، وبأي عملة، وعلى أي سعر صرف. وهكذا تحوّل صاحب المال إلى مستجدٍ على أبواب المصارف.

انهيار لم يصنعه المودعون
لم يشارك المودعون في رسم السياسات المالية، ولم يقرّروا إقراض الدولة بلا حدود، ولم يديروا الهندسات المالية، ولم يراقبوا المصارف أو مصرف لبنان. ومع ذلك، كانوا الفئة التي حُمّلت العبء الأكبر من الانهيار.
وقدّر البنك الدولي خسائر القطاع المالي بأكثر من 72 مليار دولار، واعتبر أن توزيع أعباء الأزمة جاء بصورة تراجعية أضرّت خصوصًا بصغار المودعين وأصحاب المداخيل المحدودة. كما أكد صندوق النقد الدولي أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي وحماية المودعين إلى أقصى حدّ ممكن تشكّلان أولوية لا تحتمل التأجيل.
المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة. الدولة تقاعست عن التشريع والمحاسبة، ومصرف لبنان أدار سياسات استنزفت النظام المالي، والمصارف قبلت المخاطر وحققت الأرباح سنوات طويلة، ثم أغلقت أبوابها عندما حان وقت ردّ الأموال. أمّا المودع، وهو الطرف الأضعف، فدفع الثمن من صحته وتعليم أولاده ومستقبل عائلته.
جمعيات وروابط المودعين بأسمائهم المختلفة قضيتهم واحدة: الوديعة حق، واستعادتها مسؤولية الدولة والقضاء والمصارف.
إنصاف هذه الجمعيات لا يعني منح أيٍّ منها احتكار تمثيل المودعين، بل الاعتراف بأن تحركاتها أبقت القضية حيّة بعدما حاولت السلطة تحويلها إلى ملف تقني بارد. الاعتصامات والدعاوى والشعارات لم تكن بحثًا عن بطولة؛ بل صرخة أناس سُلبت قدرتهم على التصرّف بأموالهم.
ولا يجوز أن تتحوّل الخلافات بين الروابط إلى ذريعة لتهميشها أو تجاهل مطالبها. وحدة الحق أهم من تعدّد الأسماء، وكل مودع متضرّر هو صاحب قضية يجب أن يسمعه القضاء وتحميه الدولة.

لا حلّ على حساب أصحاب الحق
أي خطة مالية تُعفي المسؤولين، أو تشطب الودائع تحت مسميات تقنية، أو تحوّلها إلى سندات طويلة الأجل مجهولة القيمة، ليست حلًّا بل تقنينًا للخسارة. الإصلاح الحقيقي يبدأ بكشف الحسابات، وتحديد المسؤوليات، واسترداد الأموال المحوّلة بصورة مشبوهة، ومحاسبة المخالفين، ثم توزيع الخسائر وفق تراتبية عادلة تبدأ برؤوس أموال المصارف وأصحابها، لا بمدّخرات الناس.
بعد سنوات من الانتظار، لم يعد مقبولًا مطالبة المودعين بمزيد من الصبر. المطلوب جدول زمني واضح وملزم لردّ الودائع، وضمان فعلي لصغار المودعين، ومعاملة عادلة لأصحاب الودائع الأكبر، بعيدًا عن الوعود المفتوحة والحلول الورقية.
المودعون لم يخسروا في استثمار اختاروه، بل وُضعت أموالهم في مصارف مرخّصة وتحت رقابة الدولة. لذلك، فإن ردّ الودائع ليس مكرمة ولا تسوية سياسية؛ إنه حق لا يسقط، ودَين يجب إيفاؤه، وعدالة تأخّرت كثيرًا.



