في مثل هذا اليوم من كل عام، يمرّ على قلوب محبيه في ربوع لبنان موجةٌ من الحنين والألم، تتجدّد فيها ذكرى رحيل رجلٍ كان للمساجد روحاً، وللمحتاجين ظلاً، وللخير عنواناً. إنه الحاج خليل الخطيب، ذلك العلم الذي أضاء دروب الإيمان في قرى لبنان وجباله، وغادر الجسد وبقي أثره الطيب يتنفس في كل محرابٍ شاده، وفي كل يتيمٍ أكرَمَه، وفي كل إمامٍ كفَلَه.

يا باني بيوت الله:
لم يقتصر حب الحاج خليل لله على الكلمات، بل تجسّد في حجارةٍ رفعها بعرقه وماله، لتكون مساجدَ تُعقد فيها حلقات الذكر، وتُرفع فيها التكبيرات. كلما دخلتَ مسجداً في قريةٍ نائية، أو صليتَ في زاويةٍ كانت خاوية فعمرها بأذانٍ وإقامة، تذكّرتَ أياديه البيضاء. لقد كان يدرك أن بناء المسجد ليس مجرد طوبٍ وأسمنت، بل هو استثمار في الآخرة، وحصنٌ منيع لأبناء وطنه يحفظ هويتهم ويربطهم ببارئهم. وقد بشرّنا رسولنا ﷺ: “من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة”، ونحن على يقين أن بيوته في الجنة تتناسل كما تناسلت مساجده في الأرض.
يا كافل الأئمة وحامل المصاحف:
لم يكتفِ الحاج خليل بحجر الأساس، بل كان قلباً نابضاً خلف المنابر. لقد تكفّل بالأئمة، فآوى الغرباء منهم، وشدّ على أيدي الشباب الحافظين لكتاب الله، وفرّج كرباتهم، ووفّر لهم سبل العيش الكريم ليُفرّغوا أنفسهم لتعليم الناس ووعظهم. كان يرى في الإمام امتداداً للرسالة، فعاهد نفسه أن لا يترك عالماً محتاجاً، ولا قارئاً مهموماً. كم من إمام بات في كنف الحاج خليل بعد أن كانت الدنيا قد أدارت له ظهرها، فكان له أخاً وصديقاً وسنداً، يُكرِمُه ولا يمنّ عليه، ويُعينه ولا يكلّفه.
يا سند المحتاجين في لبنان الجريح:
وفي بلدٍ كلبنان، تتقاسمه الأزمات وتتلاعب به الرياح، كان الحاج خليل الخطيب جبلَ صبرٍ وملجأَ رحمة. امتدّت يداه إلى كل أرملةٍ يكسوها الفقر، وكل يتيمٍ يلوذ به الجوع، وكل مريضٍ أثقلته الديون. كان يعطي بسخاءٍ لا ينتظر رداً، ويُسرّ في عطائه حتى لا ترى يمينه ما تنفق شماله. كان يعرف المحتاجين قبل أن يطرقوا بابه، ويبحث عن الفقراء في مخابئهم ليُدخل السرور إلى قلوبهم. في ليالي الشتاء القارس، كان دفئاً، وفي أيام الجوع، كان خبزاً، وفي أوقات اليأس، كان أملاً.
ذكرى لا تغيب:
اليوم، ونحن نستذكر ذكرى وفاته، نجد لبنان قد افتقد رجلاً من طرازٍ نادر؛ رجلاً جمع بين إيمان العابد، وكرم العربي، وحكمة الشيخ، وهمّة الشباب. لكن عزاءنا أن أعماله باقية، وأن المساجد التي شيّدها تشهد له، والأئمة الذين كفلهم يدعون له، والمحتاجين الذين أطعمهم يترحمون عليه في صلواتهم.
إنها ذكرى تُذكّرنا بأن الخير لا يموت بموت أهله، بل يتحوّل إلى صدقةٍ جاريةٍ تسري في عروق هذه الأرض الطيبة. نسأل الله العلي القدير أن يتغمّد الحاج خليل الخطيب بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يُلهم أهله ومحبيه في لبنان وفي كل مكان الصبر والسلوان.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجمعنا به في مستقر رحمتك، إنك سميع الدعاء مجيب السائلين.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
عماد الخطيب


