هذه الصورة ليست بحاجة إلى كلمات، فهي وحدها قصيدة من نور، تروي ما تعجز عنه اللغات، وتكشف شيئًا من محبة الخالق التي لا يحدّها وصف.
ومع ذلك، يبقى القلب مدفوعًا إلى الكلام، لا لأن الكلمات تستطيع أن تضيف إلى جمال الله، بل لأنها تحاول، في تواضع، أن تردّ شيئًا من هديّته. فكيف لي ألا أردّ هذه الهديّة، ولو بكلمات أعلم مسبقًا أنها لن ترتقي إلى ما أبدعته يد الخالق؟ فما في قنوبين ليس مجرد وادٍ سحيق، بل لوحة إلهية بدأ الله رسمها منذ آلاف السنين، وما زال، حتى اليوم، يوشّيها بالخضرة، ويغسلها بالنور، ويخطّ على جوانبها أجمل القصائد التي لا تُكتب بالحبر، بل بأشعة الشمس، وبالضباب، وبصمت الصخور. سلكت هذا الوادي، فإذا بي أنحني مع الجبال في سجودها للخالق.
لامست الصخور كما يلامس المؤمن مسبحته، وخجلت من النور الذي يتسرّب من شقوقها كأنه سرّ إلهي لا يُمنح إلا للقلوب المتواضعة.
وضعت أذني على صخورها، فلم أسمع صدى الريح، بل همس الله… وما أعذب ذلك الهمس حين يصير الصمت صلاة! في وادي قنوبين، أشعر أنني في حضرة أكبر دير عرفته الرهبنة.
ليس ديرًا شُيّد بالحجارة، بل ديرًا شيّدته يد الله نفسها. هنا أصبحت الطبيعة هي الدير، وأضحت نتوءات الصخور والمغاور، التي سكنها النسّاك والمتعبّدون، تحمل ملامحهم، وكأن صلواتهم قد تسللت إلى الحجر حتى صار يشبههم.
هنا الريح ترتيلة لا تنقطع، والضباب بخور يرتفع نحو السماء، وكل شجرة راهب قائم في صلاة لا تعرف النوم! وفي عمق هذا الوادي الدهري، حيث تهبط الأقدام إلى الأسفل، ترتفع الأرواح إلى الأعالي. وكأن الله يسمح لنا أن نعبر الممرات الضيقة، لا ليختبر قدرتنا على الاحتمال فحسب، بل ليعلّمنا أن النور لا يولد إلا من قلب العتمة، وأن القيامة تنبعث من القبر، وأن الطريق إلى السماء يمرّ، في كثير من الأحيان، عبر أودية الألم. هذا الوادي يخبرك كل شيء عن المسيح… من دون أن يلفظ كلمة واحدة.
فالمسيح حاضر فيه كما يحضر العطر في الزهرة، والنور في الفجر، والحياة في البذار. لقد جعله دربًا يشبه طريق الإنسان نحو الله؛ طريقًا شاقًا، كثير الالتواءات، تتعثّر فيه، وتجرؤ، ثم تنزلق، فتنهض من جديد. تتعب، لأن الطريق طويلة، لكنها لا تتوقف، إذ إن النهاية ليست في قاع الوادي، بل عند القمّة، حيث يلتقي التراب بالسماء! قنوبين ليس واديًا فحسب، بل هو صورة لحياة الإنسان. وبعد سنوات طويلة من الركض وراء العالم، تكتشف أن لا بديل عن الله، وأن أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان هو أن يصبح قلبه، مثل هذا الوادي، واسعًا، عميقًا، ومتسعًا بما يكفي ليعبر الله فيه، ويجعل منه مسكنًا لحضوره.
وربما يكون وادي قنوبين المكان الوحيد الذي تنزل فيه إلى العمق جسديًا، فيما ترتفع روحك نحو السماء. فكلما هبطت أكثر بين صخوره، شعرت أن نفسك تصعد أكثر نحو الله.
هنا لا يقاس الارتفاع بالأمتار، بل بالقداسة، ولا يُقاس العمق بالوادي، بل بعمق اللقاء مع الخالق. الله حاضر في هذا المكان، في كل ساعة، وفي كل يوم، وفي كل فصل من فصول الزمن. ولأنه وادٍ خُصِّص لعبادة الله، فقد خرج من حدود الزمن، وصار يحمل شيئًا من الأبدية.
إنه ليس مجرد مكان، بل صلاة مستمرة، وليتورجيا لا تنتهي، وترنيمة بدأت منذ الأزل، وما زالت تتردد الآن، وستبقى تتردد إلى دهر الداهرين. آمين.


