ليست السياسة فنَّ الوصول إلى السلطة، كما يحاول البعض أن يقنع الناس، بل هي فنُّ البقاء أوفياء للوطن بعد الوصول إليها.
فالسياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد الخطب التي يلقيها، ولا بعدد الصور التي يلتقطها، ولا بعدد الذين يصفقون له في القاعات. يُقاس بلحظةٍ واحدة: عندما تتعارض مصلحته مع مصلحة وطنه… أيَّ الطريقين يختار؟
هناك رجال يدخلون الحياة العامة وهم يحملون مشروع دولة، وهناك آخرون يدخلونها وهم يحملون مشروع أنفسهم. الأول يبني وطنًا، والثاني يبني إمبراطوريةً من المصالح، حتى إذا سقطت الكراسي، اكتشف أنه لم يكن يملك سوى الكرسي.
أخطر ما يصيب الأوطان ليس أن يكثر فيها الفاسدون، بل أن يصبح الفساد لغةً مألوفة، والكذب مهارةً سياسية، والانتهازية ذكاءً، وأن يُنظر إلى صاحب المبدأ على أنه ساذج، فيما يُحتفى بمن يُتقن تغيير مواقفه كما يُغيّر ثيابه.
كم من رجلٍ باع ضميره ليشتري نفوذًا، فإذا بالنفوذ يبيعه عند أول منعطف.
وكم من مسؤولٍ ظن أن الناس تنسى، وأن الزمن يدفن الحقائق، فإذا بالأيام تحفظ ما عجزت الذاكرة عن نسيانه.
فالسياسة لا تنسى… حتى وإن سامح الناس.
قد يستطيع الإنسان أن يخدع جمهورًا، أو يشتري ذممًا، أو يؤجل سقوطه سنوات، لكنه لن يستطيع أن يعقد هدنةً مع الحقيقة. فهي لا ترفع صوتها، لكنها تصل دائمًا، ولو بعد حين.
ولذلك، لا نخشى على الأوطان من الخصوم بقدر ما نخشى عليها من الذين يقفون على منابرها وهم يرددون اسمها، فيما يطعنونها كلما اقتربت مصالحهم من الخطر.
الوطن لا يحتاج إلى خطباء بارعين… بل إلى رجال دولة يعرفون أن المنصب عهدٌ لا غنيمة، وأن السلطة مسؤوليةٌ لا ميراث، وأن التاريخ لا يكتب عدد الذين حكموا… بل يكتب كيف حكموا، وكيف رحلوا.
وفي النهاية…
ليس أقسى على السياسي من حكم القضاء، بل حكم التاريخ.
فالقاضي قد يُخطئ، والناس قد تُخدع، والإعلام قد يُضلَّل، أما التاريخ فلا يعرف المجاملة، ولا يوقّع صكوك البراءة لمن باع وطنه، ولا يرفع تمثالًا لمن جعل السياسة سوقًا للمقايضة.
فالتاريخ لا يُسقط الرجال حين يخسرون مناصبهم… بل حين يخسرون احترام أوطانهم.


