العميد الركن مروان زاكي(م)
في السياسة اللبنانية ، حيث تتداخل الحسابات وتتعدد مراكز النفوذ ، تبدو بعض المواقف وكأنها محاولة دائمة للإمساك بالعصفور والخيط معاً . فالمطلوب الحفاظ على التحالفات القائمة ، وفي الوقت نفسه عدم إغلاق الأبواب أمام خطاب الدولة ومؤسساتها .
الرئيس نبيه بري يمثّل نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة المعقدة ، فهو حليف تاريخي لحزب الله ، تجمعه به علاقة سياسية عميقة ، كما ينتمي الطرفان إلى البيئة المذهبية نفسها ، الأمر الذي يجعل العلاقة بينهما ذات أبعاد سياسية واجتماعية متداخلة .
لكنه في المقابل يحرص على الظهور بمظهر رجل الدولة الحريص على المؤسسات الدستورية وعلى انتظام عملها . وبين هذين الموقعين ، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية التوفيق بين منطق التحالفات ومنطق بناء الدولة ؟
فالمرحلة التي يمر بها لبنان لم تعد تسمح بالكثير من المساحات الرمادية . فالدولة القوية لا تُبنى فقط عبر احترام مؤسساتها الشكلية ، بل عبر وضوح المرجعيات وتوحيد القرار الوطني . كما أن الحديث عن الدولة يفقد جزءاً من معناه إذا بقيت القرارات السيادية الكبرى خاضعة لتوازنات خارج إطار المؤسسات الرسمية .
قد يكون الحفاظ على التوازنات السياسية ضرورياً في بلد مثل لبنان ، لكن التوازن لا يمكن أن يتحول إلى حالة دائمة من الانتظار . فالتاريخ لا يسأل السياسيين فقط عن قدرتهم على إدارة اللحظة ، بل عن موقفهم عندما تصل البلاد إلى مفترق الخيارات الكبرى ، ولبنان في عين العاصفة .
إن محاولة الجمع بين موقع الحليف وموقع رجل الدولة قد تنجح في مراحل معينة ، لكنها تصبح أكثر صعوبة عندما يصبح المطلوب حسم الاتجاه . فلبنان يحتاج إلى موقف واضح .
هل الأولوية لبناء دولة قادرة على حماية جميع أبنائها تحت سقف القانون ، أم الاستمرار في إدارة التناقضات وتأجيل الاستحقاقات؟
في النهاية ، يبقى الاختبار الحقيقي أمام كل القوى السياسية ليس في قدرتها على الإمساك بالعصفور والخيط معاً ، بل في قدرتها على اختيار الطريق الذي يخدم الوطن عندما يصبح الاختيار أمراً لا مفر منه .


