لم تكن جبال لبنان في القرن الثالث عشر مجرّد قمم تعانق السماء، بل كانت حصوناً للإيمان، وملاجئ لشعب آثر الحرية على الخضوع، وحمل الصليب بيد، والسيف بالأخرى إن فُرضت عليه الحرب. هناك، بين وديان الجبّة وصخورها الشامخة، كان الرجال يولدون على وقع الأجراس، ويتعلّمون منذ طفولتهم أن الكرامة لا تُستعار، وأن الأرض التي باركها الله لا يحرسها إلا أبناؤها.
ومن بين أولئك الرجال، ارتفع اسم بطريرك لم يكن يشبه سواه. كان اسمه دانيال الحدشيتي، لكنه في ذاكرة الموارنة أصبح أكثر من اسم؛ صار رمزاً لرجل جمع بين خشوع الراهب وصلابة القائد، وبين الصلاة والمقاومة، حتى غدا حضوره أشبه بقلعة لا تهتز.
وُلد في بلدة حدشيت، ابنة الجبّة التي تعلّم أبناءها كيف يواجهون الريح والثلج والغزاة معاً. وعندما اعتلى السدّة البطريركية، لم تكن الكنيسة تعيش زمناً هادئاً، بل كانت تواجه إحدى أقسى المراحل في تاريخها، فيما كانت جيوش المماليك تزحف شمالاً لتُخضع ما بقي من الجبال الحرّة.
وصلت الحملة الأولى إلى طرابلس سنة 1264، ثم عادت سنة 1266، لكن الموارنة الهابطين من أعالي الجبال أوقفوا تقدّمها، وبقيت جبال بشري عصيّة على الاحتلال. غير أن السلطان قلاوون قرّر إنهاء تلك المقاومة، فأطلق في مطلع سنة 1282 حملة ضخمة التقت بجيوش حسام الدين القادمة من دمشق، لتطبق على جبة بشري من كل الجهات.
سقطت حصرون، ثم الحدث، وأصبحت إهدن الهدف التالي.
هناك وقف البطريرك في مقدّمة رجاله، لا خلفهم. لم يكن يراقب المعركة من برج أو قصر، بل كان يقاتل بينهم، يشدّ عزائمهم بالصلاة قبل أن يشدّ سواعدهم على السيوف. أربعون يوماً كاملة اصطدمت جيوش المماليك بأسوار الإيمان قبل أن تصطدم بحجارة القلاع، فعجزت عن اقتحام إهدن رغم كثرتها وعدّتها.
ولم يكن عجزها سببه قوة السلاح فحسب، بل هيبة الرجل الذي يقود المدافعين.
حتى أعداؤه لم يستطيعوا إخفاء إعجابهم به.
فقد دوّن ابن عبد الظاهر، أمين سر السلطان قلاوون، شهادة نادرة بحق ذلك البطريرك، فقال إنه ظهر قرب طرابلس “بطريرك عملاق” جمع حوله أبناء الجبال والأودية، وفرض هيبته على طرابلس وأميرها والبلدان المجاورة، وأن القبض عليه كان أعظم فتح حققته الحملة، يفوق احتلال حصن أو مدينة بأكملها.
كانت تلك الكلمات، الصادرة عن معسكر الخصم، أبلغ من آلاف قصائد المديح.
ولما أدرك المماليك أن السيف لن يكسر تلك القامة، لجأوا إلى الحيلة. أرسلوا إليه يدعونه إلى التفاوض حقناً للدماء، فقبل، لأن الراعي الحقيقي لا يستخف بحياة شعبه. لكن ما إن حضر حتى غدروا به، فألقوا القبض عليه وقتلوه، ليسقط شهيداً بعدما عجزوا عن إسقاطه في ساحة القتال.
وهكذا انتصرت الخديعة على الجسد، لكنها عجزت عن الانتصار على الروح.
دُفن البطريرك في دير سيدة إيليج، لكن حضوره لم يُدفن معه. بقيت سيرته تتردّد في الجبال، يتناقلها الرهبان، ويرويها الآباء للأبناء، حتى صار اسمه عنواناً للمقاومة المارونية في وجه كل احتلال.
وخلال حبريته، ثبّته البابا نقولا الثالث سنة 1280، وأوصاه بأن يُصنع الميرون من زيت الزيتون ودهن البلسم، في خطوة إصلاحية بقي أثرها في الكنيسة المارونية. لكنه لم يُعرف بهذا القرار بقدر ما عُرف بثباته في وجه العاصفة.
ويحفظ التراث الشعبي وصية تُنسب إليه، تختصر فلسفة حياته كلها: أن يبقى الإيمان أقوى من السيف، وأن لا تُرهب الإنسان ظلمة الليل، ولا السجون، ولا التعذيب، ولا كثرة الجيوش، لأن لبنان، في نظره، لم يكن مجرد أرض، بل رسالة زرعها الله كما زرع أرزه على القمم.
هكذا انتهت حياة دانيال الحدشيتي، لكنها بدأت في ذاكرة التاريخ. فالبطاركة العظام لا يُقاسون بعدد السنين التي عاشوها، بل بالأمل الذي يتركونه في شعوبهم. وقد ترك هذا البطريرك شعباً يؤمن بأن الحرية تستحق التضحية، وأن الكنيسة التي تصلّي تعرف أيضاً كيف تصمد، وأن الراعي الحقيقي هو الذي يتقدّم شعبه في ساعة الخطر، ولو كان الثمن حياته نفسها.


