ناضر كسبار – نقيب المحامين في بيروت سابقاً
بتاريخ 15/7/2026 سوف يحال القاضي أيمن عويدات رئيس هيئة التفتيش القضائي على التقاعد.
القاضي أيمن عويدات هو إبن القاضي المرحوم فوزي عويدات خريج كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية.


بدأ حياته القضائية كعضو في المحكمة الابتدائية الناظرة في القضايا الافلاسية برئاسة القاضي عدنان عضوم، وكانت تضم ايضاً الرئيس الاول سهيل عبود كعضو ايضاً. والجميع يشهد انها كانت من اهم المحاكم في تاريخ القضاء اللبناني.
وعلى سيرة القاضي عدنان عضوم الذي كان لفترة طويلة يتعرض للانتقادات بسبب علاقته مع السلطة السورية السابقة، والتي لن ندخل في مدى صحتها او عدم صحتها في هذه المقالة اليوم، فإنه كان من انظف القضاة مادياً. يروي القاضي عويدات انه زاره والرئيس الاول سهيل عبود في منزله المتواضع. ودخلت زوجته وادارت مكيف الغرفة، “فتكت” الساعة لانه مشترك بخمسة امبير.

وتولى القاضي عويدات رئاسة المحكمة الابتدائية في بعبدا الناظرة في الدعاوى التجارية والافلاسية، وصدرت مئات الاحكام عنها، جمعها بكتاب ضخم نظراً لاهميتها.
ثم تولى رئاسة محكمة الاستئناف في بيروت، وبقي في هذا المنصب ثمانية عشر عاماً، خصوصاً وانه رفض رفضاً قاطعاً زيارة اي مرجعية سياسية، وبقي على انضباطه ونظافة لسانه، وانتاجيته. ولم يتململ او ييأس. واتبع موجب التحفظ الذي يجب على جميع القضاة اتباعه. وباتت القرارات التي تصدر عن محكمته تدرس في كليات الحقوق في الجامعات نظراً لاهميتها وعمقها ووضوحها. وكانت المحكمة تضم مستشارين لديهما الصفات ذاتها التي يملكها الرئيس عويدات وهما القاضيان حسام عطالله وكارلا معماري.
وبقي الوضع على هذا النحو الى ان عينته الحكومة الحالية رئيساً لهيئة التفتيش القضائي قبل سنة وثلاثة اشهر من تقاعده.

وكما كان القاضي أيمن عويدات يعمل بجدية يوم كان قاضي حُكم، يصدر القرارات المهمة والمبدئية، ويشبعها درساً وتمحيصاً ويضمنها مبادئ العدالة، بحيث باتت مرجعاً اجتهادياً يتكل عليه القضاة والمحامون ورجال القانون. فهو في هيئة التفتيش القضائي في ذروة النشاط والجهوزية بعد ان رسم خططاً استراتيجية وتكتيكية لكيفية نجاح العمل القضائي والاجهزة الادارية في القضاء. وعمل على تجهيز سجل مسلكي لكل قاضي خلال عدة اشهر.
كما يزور المحاكم بصورة مفاجئة من دون علم مسبق او إعلام. واعجب بطريقة عمل محكمة المنية وابلغ معالي وزير العدل بالامر.
ولدى زيارته للمحاكم، يجتمع مع القضاة ومع الموظفين. ويتكلم عن اهمية القلم الذي يحمله القاضي، حتى ولو كان ثمن هذا القلم ضئيلاً جداً حتى لا نعمل دعاية لقلم سعره بخس ولكنه مهم – والذي نظم له زياد الرحباني اغنية. هذا القلم إما ان يرفعنا او يجعلنا بالحضيض.

وينتقد القاضي عويدات الاهمال في بت بعض القضايا وخصوصاً إخلاءات السبيل. اذ لا يجوز ان تكون المدة القصوى للعقوبة سنتين ويمضي المدعى عليه سنوات وسنوات في السجن، تحت ستار ان احداً لم يقدم له طلب اخلاء السبيل. كما ينتقد بعض الذين يتقدمون بشكاوى كيدية ضد القضاة وبعطي مثلاً عن شكوى وردت منذ سنوات ضد احد القضاة، بأنه اصدر قراره الظني بمنع المحاكمة عن مدعى عليهم من دون الاستماع الى افادتهم. فحضر القاضي واحضر معه النص القانوني الذي يسمح له بعدم الاستماع الى المدعى عليهم او استجوابهم في حال قرر منع المحاكمة عنهم.
يوم عين رئيساً لهيئة التفتيش القضائي، كرمته جمعية متخرجي كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية في جامعة القديس يوسف – اليسوعية. ونوّه رئيس الجامعة يومها الاب الدكتور سليم دكاش بصفاته وقال ان العدالة ليست مجرد سلطة من سلطات الدولة بل هي معيار نهضتها وشرط اساسي لثقة المواطن بدولته.
وشدد الوزير السابق القاضي عباس الحلبي، على ان العدالة ليست مهنة بل رسالة. وان القاضي عويدات نزيه لا يساوم، وحَكَم لا ينفعل، وصادق مع نفسه قبل ان يكون صادقاً مع الناس. فهو صلب المبدأ، متساومٍ عن الصغائر، ومترفع عن كل اغراء.

من جهته اعتبر القاضي عويدات ان البعض يرى هيئة التفتيش القضائي كأنها جهاز تأديبي او مرجعية للمحاسبة، بمعنى البعبع. اما الحقيقة فإن دورها اوسع بكثير. يبدأ من ضبط ورفع الاداء والارشاد، مروراً بحماية صورة وسمعة القضاء، وصولاً الى دعم القاضي عندما يعمل بجدية وضمن الاصول.
بعد عدة ايام، يختم القاضي النزيه أيمن عويدات مسيرته القضائية المشرفة، ويتقاعد، وهو يحمل محبة واحترام زملائه القضاة والمحامين والمتقاضين، ويبقى رمز الشفافية والنزاهة ونظافة الكف والمثال الاعلى لزملائه في المثابرة والعطاء والتحفظ.
في كتابي حول مواقف القضاة والمحامين، كتبت ان نظافة الكف لدى المسؤول هي من اهم الميزات. وكان معالي النقيب ادمون كسبار يروي انه بعد تسلم الرئيس جمال عبد الناصر الحكم في مصر، أبعد جميع زعماء العهد السابق ما عدا واحدًا لانه كان نظيف الكف وهو مكرم عبيد.
يضيف الشيخ ادمون قائلا ان نظافة كف مكرم عبيد جعلت الرئيس عبد الناصر يحبه ويحترمه. وقد حضر شخصيا مراسم جنازته عند وفاته”.
كل ما نتمناه للقاضي الرئيس أيمن عويدات، ان يبدأ حقبة جديدة من العمل والعطاء بنشاط وهمة وصحة جيدة.


