العميد الركن مروان زاكي (م)
في حيثيات الدولة العميقة ، يكفي أحياناً مشهدٌ واحد ليكشف الذهنية التي تُدار بها السلطة .
موكبٌ طويلٌ جدًا ، تتقدمه آليات قوى الأمن ، وتتبعه عشرات السيارات ذات الأرقام المتسلسلة كما أوردها دون A1، A2، A3… ، وصفارات الإنذار تشق الطريق بالقوة ، فتُجبر الناس على التوقف لإفساح المجال أمام المسؤولين .
مهما تكن هوية الشخصية أو موقعها ، فإن هذا المشهد لا يعكس هيبة الدولة ، بل يُشعر المواطن بأن كرامته ووقته وحقه في الطريق أقل شأناً من امتيازات أصحاب السلطة .
في الدول الحديثة ، تُقاس هيبة المسؤول بقدرته على خدمة الناس ، لا بعدد السيارات التي ترافقه ولا بحجم الإرباك الذي يفرضه على حياة المواطنين . فالمنصب تكليف لا امتياز ، والخدمة العامة ليست رخصة لتعليق حقوق الآخرين .
في القرن الحادي والعشرين ، لم يعد مقبولًا أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لاستعراض النفوذ . فالدولة التي تحترم شعبها تجعل المسؤول قدوة في احترام القانون ، لا استثناءً منه
مهما كانت هوية هذا الموكب ، وحتى لو كان لوفدٍ رسمي قادم عبر الحدود ، فلا يبرر ذلك تحويل الطرقات إلى ساحات استعراض للنفوذ . فالضيف يُكرَّم بما يليق بالدولة ، لا بإهانة المواطنين والحاق الاذى بهم وتعطيل حياتهم .
هيبة الدولة تُصان باحترام الناس ، لا بإجبارهم على الوقوف جانباً تحت وقع الصفارات والمواكب الطويلة .


