بعد متابعة دقيقة لمباريات المونديال هذا العام، خرجت بانطباعٍ واضح عن التغيير الكبير الذي طرأ على هذه اللعبة التي تحظى باهتمامٍ شعبيّ واسع، ولا سيما كل أربع سنوات، بسبب “المونديال” الذي يُعدّ الاستحقاق الرياضي الأهم، وخصوصًا على صعيد كرة القدم.
وانطلاقًا من متابعتي للمونديالات منذ سبعينيات القرن الماضي، أرى أن اللعبة تغيّرت فعلًا، وأتحدث هنا عن الجانب الفني، إذ نشهد اليوم نهاية عصر المدارس الكروية التقليدية التي عُرفت بها البرازيل وألمانيا وهولندا وإيطاليا وإنكلترا وإسبانيا والأرجنتين وفرنسا والبرتغال وغيرها. ويؤكد ذلك أن نتائج هذه المنتخبات في المونديال وسائر مسابقات كرة القدم أصبحت متقلّبة، كما أن عروضها باتت أحيانًا متذبذبة.
وفي المقابل، برزت منتخبات صاعدة تعتمد أساليب لعب هجينة، مدعومة بلياقة بدنية عالية، وروح قتالية، وخطط متنوعة تتبدّل بحسب ظروف كل مباراة، ومن بينها منتخبات المغرب واليابان والرأس الأخضر والنرويج والباراغواي ومصر وكولومبيا.
ولا شك في أن المنتخبات العريقة تاريخيًا لا تزال تمتلك نجومًا بارزين لهم حضورهم وتأثيرهم في اللعبة، لكن المفاجآت أصبحت أكثر تكرارًا، وبعض المباريات تنتهي بنتائج صادمة وغير متوقعة. لذلك، لم تعد الهيمنة في عالم كرة القدم حكرًا على أحد.
ورغم ذلك، لديّ ملاحظة على بعض المنتخبات التي تأهلت بفضل اعتمادها اللعب الدفاعي والخطط التي لا تؤمن إلا بتأمين النتيجة، ولو كان ذلك على حساب جمالية اللعبة. فمنتخب الباراغواي، الذي أخرج ألمانيا وصعّب المهمة على فرنسا، يُعدّ نموذجًا للعب الدفاعي المغلق، الخالي من اللمحات الفنية الممتعة، إذ يفسد إيقاع المباراة من أجل تحقيق نتيجة تؤهله إلى الدور التالي. غير أن هذا التكتيك، الذي تعتمده كثير من المنتخبات غير العريقة في كرة القدم، يتعارض مع الفلسفة الأساسية التي تقوم عليها اللعبة، وهي تسجيل الأهداف.
وهذا يقتضي اعتماد أسلوب هجومي، لا التقوقع في المنطقة الدفاعية من دون أي نزعة هجومية.
ولا شك في أن الدفاع المتين لأي منتخب أمرٌ ضروري، لكن المطلوب أن تكون جميع خطوط المنتخب قوية ومتوازنة، مع السعي إلى تسجيل الأهداف وتقديم عرض فني ممتع.
في الحقيقة، أنا أحترم منتخبًا يلعب بروح هجومية ويقدّم عرضًا ممتعًا، حتى لو خسر مباراته وخرج من البطولة، أكثر من احترامي لمنتخب يعتمد أسلوبًا دفاعيًا مغلقًا ومملًا، فيفوز بالمباراة ويتقدم إلى الأدوار التالية، لأنه، في رأيي، يرتكب خطيئة بحق هذه اللعبة وبحق الفلسفة التي قامت عليها.


