من حق أي وسيلة إعلامية أن تنتقد، وأن تعارض، وأن تخالف في الرأي، فهذا من صميم العمل السياسي والإعلامي. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الاستنتاجات إلى وقائع، أو أن يبني الاتهامات على روايات غير موثقة ثم يقدمها للرأي العام على أنها حقائق ثابتة.
فالمنشور الذي نشر على أحد المواقع الالكترونية نسب إلى النائب السابق الأستاذ إبراهيم عازار وإلى التيار الوطني الحر وجود “غرفة عمليات مشتركة” لتحميل وزير الطاقة مسؤولية التقنين في جزين، ثم مضى يبني على هذا الادعاء سلسلة من الاتهامات، من دون أن يبرز للرأي العام بياناً واحداً، أو تصريحاً واحداً، أو مقابلة واحدة صادرة عن الأستاذ عازار أو عن التيار الوطني الحر تتناول هذا الموضوع من قريب أو بعيد.
وهنا يبرز السؤال البديهي: إذا كان الاتهام صحيحاً، فأين الدليل؟
أما إذا كان الدليل غائباً، فإن ما يقال لا يخرج عن كونه اجتهاداً سياسياً لا يجوز تقديمه على أنه حقيقة.
أما مسألة التقنين الكهربائي، فهي معروفة لكل من تابع أوضاع الجنوب خلال فترة العدوان الإسرائيلي. فقد أدى النزوح الواسع من معظم قرى وبلدات الجنوب إلى انخفاض طبيعي في الاستهلاك، فانعكس ذلك تلقائياً على ساعات التغذية في المناطق التي بقيت مأهولة، ومنها جزين. ومع عودة الأهالي إلى بلداتهم، عاد الاستهلاك إلى مستواه الطبيعي، فعادت معه ساعات التقنين إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وهذه حقيقة تقنية لا تحتاج إلى نظريات سياسية ولا إلى غرف عمليات لتفسيرها.
أما الزج باسم الأستاذ إبراهيم عازار في هذا السجال، فهو امتداد لحملة سياسية يعرفها أبناء جزين جيداً. فمنذ اندلاع الحرب، لم يتوقف استهدافه بسبب موقفه الإنساني والوطني في احتضان النازحين، في وقت كانت ترتفع أصوات تحاول بث الخوف والانقسام بين أبناء المنطقة والوافدين إليها. وقد أثبتت الأيام أن خيار الاعتدال كان هو الخيار الصحيح، وأن جزين خرجت من تلك المحنة أكثر تماسكاً ووحدة.
ويبقى الأمر المستغرب هو الإصرار على تصوير إبراهيم عازار وكأنه مجرد ممثل لحركة أمل في جزين، متجاهلين أنه ينتمي إلى واحدة من أعرق العائلات السياسية الجزينية، التي ارتبط اسمها بالشأن العام منذ ما قبل استقلال لبنان، وأسهم رجالاتها، على امتداد عقود، في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المنطقة وإنمائها. ومن حق أي زعامة وطنية أن تقيم تحالفاتها السياسية مع من تراه مناسباً، ما دامت هذه التحالفات تصب في خدمة الناس، ولا تنتقص من استقلالية قرارها ولا من هويتها الجزينية والوطنية.
إن الاختلاف السياسي مشروع، أما اختلاق الوقائع فلا يخدم أحداً، لأن أبناء جزين باتوا أكثر وعياً من أن تنطلي عليهم روايات تفتقر إلى الدليل، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين الحملات التي تقوم على الإيحاء والتشويه.
وفي النهاية، يبقى المعيار الذي يحكم الناس بسيطاً وواضحاً: ليس ما يُكتب عن الرجال، بل ما تركه الرجال في حياة الناس. والتاريخ، في جزين كما في غيرها، يكتب بالوقائع والإنجازات، لا بالمنشورات العابرة.


