قد تنتهي قصة أيّ راهب عاديّ، لكن قصة شربل الفعليّة بدأت فور موته على جبل عنايا. منذ الليلة الأولى، بهر نور ساطع ينبعث من قبر الحبيس أنظار الأهالي في البيوت المقابلة للدير. رئيس الدير الأب انطونيوس المشمشاني لم يصدّق في البداية، ثم جذب الكثيرين، مسيحيين ومسلمين شيعة تهافتوا من القرى المجاورة.
– أنا رأيته ثلاث مرات، قال يوسف بو سليمان.
– كلّما سهرنا عند جيراننا المقابل بيتهم للقبر، نرى هذا المشهد العجيب، أكّد جرجس عمونئيل ساسين.
– وسمعت من شركاء الدير، وأهل المزارع المقابلة للدير، أنه كان يظهر في الليل شهب نار خارجاً من القبر. أما أنا فلم أرَ شيئاً بذاتي، أوضح الأخ بطرس مشمش.
وفي روزنامة الدير كتب الرئيس:”انه في اليوم الرابع والعشرين من كانون الأول، سنة 1898، توفي لرحمته تعالى، الأب شربل بقاعكفرا الحبيس، بداء الفالج، وتزوّد بواجبات الموتى، ودفن في مقبرة الدير، وله من العمر 68 سنة، بزمان القس أنطونيوس مشمشاني، وما سيجريه بعد موته، يكفي عن الإسهاب بحسن سيرته، وبالأخص حفظ نذوره، حتى نقول: إن طاعته ملائكية لا بشرية”.
تدفق النور من مقبرة الأب شربل لفت مرة الشيخ محمود حماده وبعض رجاله الذين كانوا يطاردون بعض الأشقياء الفارين من وجه الحكومة. ففي ليلة ممطرة، لم يفلحوا في العودة إلى حجولا، فحوّلوا مسارهم بإتجاه الدير. وعندما أطلوا من بعيد لمحوا نوراً بدا اولاً ضئيلاً ثم شعّ ولمع كنور كوكب قرب باب الدير شرقي الكنيسة.
ظنّ الشيخ حماده ان الرعاع مختبئون في تلك الانحاء، فأسرع إلى هناك لإلقاء القبض عليهم، الا انه فور وصوله إلى الدير إختفى النور. سرعان ما قرعوا باب الدير. فأجابهم الأخ بطرس ميفوق:
– البوابة مقفلة والساعة متأخرة والرهبان نيام. ليس وقت ضيافة.
فردّ الشيخ حماده:
– إفتح لنا، ومتى عرفتنا لا تشارعنا.
ما ان فتح لهم حتى رأى خسمة انفار يرافقون الشيخ حماده الذي بادره:
– لماذا لم تفتحوا لنا حالاً؟
ردّ الأخ وهو في حالة من النعس الشديد:
– لأننا كنا نياماً.
– كيف أنتم نيام؟ وأنا مع أنفاري شاهدت النور من الجهة الشرقية، قرب البوّابة مرّات يظهر ويغيب.
استفاق الرهبان الآخرين وقالوا له:
– عندنا، حيث رأيت النور، قبر مدفون فيه حبيس هو الأب شربل. والشركاء وغيرهم رأوا نوراً فوق القبر في بعض الليالي.
فأجابهم الشيخ محمود:
– والله! بأول فرصة تصحّ لي سأخبر البطريرك بهذه المسألة وأنشرها في الجرائد، فإنّي قد عرفت، بموت مطارين وبطاركة، ومررت بقبور كثيرين، وما شاهدت مثل هذا المشهد الذي أبهر أعيننا.
وبالفعل، سطّر الشيخ محمود حماده محضراً بما شاهد وأرسله إلى غبطة البطريرك الياس الحويك. وتحقّق ان النور لم يكن منبعثاً من قنديل أو نار أشعلت بل كان صادراً من قبر الأب شربل.
فمن عرف بالاختبار الشخصي ان يسوع هو نور بمعنى اسمى وأعمق من الشبه القائم بين النور الذي يبهر الأنظار وذاك الذي تستنير به النفوس، لن يكون مستغرباً أن يصدر عن قبر الأب شربل مخلوف انواراً باهرة تستدعي انتباه المئات في بداية القرن العشرين قبل أن تبهر الملايين في آخر القرن.


