ليست الدولة جيشًا وحدودًا ومؤسسات فحسب، بل تبدأ الدولة الحقيقية من قاعة المحكمة، حيث لا يُسأل القاضي: «من وراءك؟»، بل يُعرف فقط بما يمليه عليه ضميره والقانون.
فالعدالة لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، بل بمدى استقلال من يصدرها. وعندما يصبح القاضي أسير هاتف سياسي، أو رهينة نفوذ، أو خائفًا على موقعه، تتحول العدالة إلى مجرد نصوص جميلة تُعلَّق على جدران قصور العدل، فيما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الظلم.
إن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام، بل سرقة العدالة. فالمال يمكن تعويضه، أما عندما يفقد الناس ثقتهم بالقضاء، فإنهم يفقدون ثقتهم بالدولة بأكملها، ويصبح القانون مجرد وجهة نظر، وتغدو القوة بديلاً عن الحق.
لبنان لا يفتقر إلى القضاة الشرفاء. ففي قصور العدل رجال ونساء أقسموا أن يحكموا باسم الحق وحده، وما زالت نزاهتهم تشهد لها ملفاتهم وسيرتهم. لكن هؤلاء يحتاجون إلى دولة تحمي استقلالهم، لا إلى سلطة تكافئ المطيع وتعاقب المستقل، وتمنح الترقيات على أساس الولاء بدل الكفاءة.
لا إصلاح اقتصادي من دون قضاء مستقل. ولا استثمار من دون قضاء مستقل. ولا محاسبة للفاسدين، ولا استعادة للأموال المنهوبة، ولا بناء لدولة المؤسسات من دون قضاء مستقل. إنه حجر الزاوية الذي تقوم عليه الجمهورية، وإذا انهار، انهارت معه كل الشعارات.
إن استقلال القضاء ليس امتيازًا للقضاة، بل حق لكل مواطن. إنه الضمانة الوحيدة التي تجعل الضعيف يقف على قدم المساواة مع القوي، وتجعل المسؤول يخضع للقانون كما يخضع له أي مواطن.
وعندما يصبح القانون هو المرجعية الوحيدة، لا الزعيم، ولا الحزب، ولا المال، عندها فقط يمكن أن نقول إن لبنان بدأ يستعيد دولته… لأن الأوطان لا يحميها أصحاب النفوذ، بل يحميها قضاة لا يخافون إلا ضمائرهم.


