ليست أكبر مآسي هذا العصر الحروب وحدها، ولا الفقر وحده، ولا الظلم وحده، بل موت الضمير. فعندما يموت الضمير، يصبح كل شيء مباحًا: تُراق الدماء باسم الدين، وتُنهب الشعوب باسم السياسة، وتُسرق الأوطان باسم الوطنية، وتُباع المبادئ في أسواق المصالح، ويصبح الإنسان مجرد رقم في حسابات النفوذ والمال.
إلى كل من جعل السلطة غاية، والثروة إلهًا، والكذب وسيلة، والظلم نهجًا… إلى كل من أشعل الحروب، وشرّد العائلات، ويتّم الأطفال، وترك المرضى يموتون على أبواب المستشفيات، ونهب المال العام، وأغرق المجتمعات بالمخدرات والرذيلة والفساد، واستغل ضعفاء النفوس لتحقيق مآربه… اعلموا أن التاريخ لا يرحم، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن الله لا ينسى دمعة مظلوم ولا أنين مكسور.
ليس أخطر على المجتمعات من تحويل الشر إلى أمر اعتيادي، ومن تزيين الباطل حتى يظنه الناس حقًا، ومن جعل الكراهية ثقافة، والفتنة وسيلة، والخداع مهارة، والفساد وجهة نظر. فحين يفقد الإنسان إنسانيته، لا يبقى لمنصبه قيمة، ولا لماله معنى، ولا لسلطته بقاء.
ومع ذلك، تبقى رسالة السماء أعظم من خطايا الأرض. فما دام القلب ينبض، يبقى باب التوبة مفتوحًا، ورحمة الله أوسع من ذنوب البشر جميعًا. فليس عيبًا أن يخطئ الإنسان، بل العيب أن يستكبر عن الاعتراف بخطيئته، وأن يصرّ على الظلم حتى آخر لحظة.
اكسروا كبرياءكم، وردّوا الحقوق إلى أصحابها، وأوقفوا نزيف الكراهية، واختاروا طريق المصالحة بدل الانتقام، والحق بدل الباطل، والمحبة بدل الحقد. فالسلطة زائلة، والثروة فانية، أما ما يبقى فهو ما قدّمه الإنسان من خير ورحمة وعدالة.
توبوا قبل فوات الأوان… فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأقوياء، بل إلى مزيد من أصحاب الضمائر الحية، لأن الأوطان لا تبنيها القوة وحدها، بل تبنيها الأخلاق والعدل ومخافة الله.


