لكن السؤال الجوهري ليس ما اذا كانت المصارف قد عادت الى الربحية، بل: كيف تحققت هذه الربحية، وعلى حساب من؟
📌 لا يمكن قراءة هذه النتائج بمعزل عن هيكل الميزانيات المصرفية بعد الازمة. فجزء من التحسن الظاهر في الربحية لا يعكس بالضرورة عودة صحية الى النشاط المصرفي التقليدي، بل ياتي في ظل استمرار تفكيك جانب الالتزامات، وتحديدا التزامات المصارف تجاه المودعين، عبر اليات تخفض القيمة الاقتصادية الحقيقية للودائع.
📌 فعندما يسمح للمودع بالسحب على سعر ١٥،٠٠٠ ليرة للدولار، في حين يبلغ سعر الصرف الرسمي نحو ٨٩،٥٠٠ ليرة، فان الفارق لا يمثل مجرد خسارة سعر صرف. من منظور مالي ومحاسبي، هو تخفيض فعلي في القيمة القابلة للاسترداد للوديعة، اي ما يشبه الاقتطاع الفعلي غير المعلن، يتم تمريره تدريجيا عبر قيود السحب واسعار الصرف المتعددة.
📌 الى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل الرسوم والعمولات المرتفعة التي باتت المصارف تفرضها على العملاء والمودعين مقابل خدمات اساسية، في وقت لا يزال هؤلاء محرومين من الوصول الطبيعي الى اموالهم. فالجزء المتزايد من ايرادات العمولات لا ياتي في فراغ، بل يقتطع عمليا من السيولة المحدودة المتاحة للمودعين، ليصبح المودع خاسرا مرتين: مرة عبر الاقتطاع المقنع من قيمة وديعته، ومرة اخرى عبر تحميله كلفة مصرفية مرتفعة على اموال لا يستطيع التصرف بها بحرية.
📌 بمعنى اخر، ما يحصل هو نوع من تخفيض الالتزامات على دفاتر المصارف، يقابله تاكل مباشر في حقوق المودعين، بالتوازي مع تعزيز الايرادات القائمة على الرسوم والعمولات على حسابهم، ومن دون اطار قانوني شفاف لتوزيع الخسائر، او ترتيب واضح لاولويات السداد والية استرداد الحقوق.
📌 وهنا تكمن الاشكالية الاساسية: لا يجوز التعامل مع الارباح المصرفية الحالية كانها ارباح تشغيلية طبيعية او مؤشر تعاف مستدام، طالما ان فجوة الملاءة لم تعالج بعد، وطالما ان الخسائر التاريخية لم يعترف بها وتوزع وفق قواعد عادلة.
فالربحية في ظل ميزانيات مثقلة بودائع عالقة وتوظيفات غير قابلة للتحصيل الكامل لا تعني بالضرورة خلق قيمة جديدة، بل قد تعكس فقط اعادة توزيع الخسائر من المصرف الى المودع.
📌 المودعون ليسوا مساهمين كي يتحملوا خسائر راس المال. وهم ليسوا اداة لاعادة رسملة المصارف من الباب الخلفي. هم دائنون في ميزانيات هذه المصارف، واي معالجة عادلة يجب ان تبدأ من هذا المبدأ.
📌 لذلك، فان اي ارباح او عوائد تحققها المصارف في هذه المرحلة يجب ان تحجز بالكامل ضمن الية واضحة لصالح المودعين، لا ان تستخدم لتجميل النتائج المالية او الايحاء بان القطاع تجاوز الازمة.
قبل الحديث عن توزيع ارباح، او تحسين مؤشرات الاداء، او العودة الى النمو، يجب ان تكون الاولوية المطلقة لاعادة تكوين حقوق المودعين وتعظيم نسب الاسترداد.
📌 اي ربحية مصرفية لا تمر عبر انصاف المودعين هي ربحية فاقدة للشرعية الاقتصادية والاخلاقية.
ولا تعاف حقيقيا للقطاع المصرفي قبل الاعتراف بالخسائر، واعادة هيكلة الميزانيات، ووضع المودع في مقدمة اي خطة انقاذ.


