حبيب معلوف- كاتب وصحافي بيئي

لم تحسن وزارة البيئة ادارة ملف استراتيجي وحساس مثل المقالع والكسارات وشركات الترابة. وقد تسبب ضعف (وربما تواطؤ) الإدارة في وزارة البيئة في إطالة فترة الفراغ والفوضى وعدم اتخاذ قرارات سليمة في ارتفاع أسعار الترابة من 90 الى 400 دولار للطن الواحد! كما ورطت مجلس الوزراء بقرارات غير قانونية ولا استراتيجية وغير مسبوقة في إدارة هذا الملف، لاسيما القرار الصادر بتاريخ 23/4/2026. فما الذي حصل وكيف وصلنا الى هنا؟ ومن يتحمل المسؤولية الأكبر فيما حصل من فوضى ومخالفات وارتكابات؟
* كانت وزيرة البيئة بالتعاون مع مدير عام البيئة قد أعلنت في اجتماعها الأول مع لجنة البيئة النيابية منذ أكثر من عام انها طلبت الغاء قرار مجلس الوزراء السابق (الذي لم ينفذه وزير البيئة السابق لعدم اقتناعه به) وانها تريد الترخيص للشركات بالطريقة التي حصلت مؤخرا. فلماذا حصل هذا التأخير حتى تضاعفت الأسعار في السوق السوداء (معروف من الذي استفاد منها)؟!
* تتحمل وزيرة البيئة بصفتها رئيسة المجلس الوطني للمقالع المسؤولية الاولى عن ادارة هذا الملف بوصفها المؤتمنة على ديمومة الموارد وحماية البيئة قبل اي شيء آخر.
* لماذا اقترحت، حسب مطلب الشركات التاريخي، بالترخيص عشر سنوات لها، وهو خيار استراتيجي بعيد المدى، من دون أن تستند إلى أي رؤية استراتيجية ومن دون طلب تقييم بيئي استراتيجي لهذا الملف، تقيّم فيه الجدوى الاقتصادية والبيئية الوطنية لعمله بالمقارنة مع الكلفة الصحية والبيئية ورفض السكان المحيطين وبالمقارنة مع خيارات أخرى كالسماح بالاستيراد؟!
* تم الاحتيال على القوانين في الترخيص والاستناد الى قرار لمجلس الوزراء العام 1997 منتهي الصلاحية … للترخيص لشركات الترابة، وتجاوز المرسوم التنظيمي النافذ والنافي لغيره رقم 8803 الصادر بتاريخ 4/10/2002 والمرفق به مخطط توجيهي ليست مقالع شركات الترابة داخله!
* في قرار المجلس الوطني الموقع من وزيرة البيئة والمدير العام معا ؛ تم اقتراح تشكيل لجنة وزارية تتعلق بتصدير مادة الترابة ! وهي سابقة خطيرة لوزارة البيئة تشجع فيها على المدى البعيد على اقتلاع المزيد من جبال لبنان، وقد تحفظ على هذه المادة ممثل وزارة الصناعة نفسها!
* لم تشترط الوزارة ولا المجلس الوطني ولا الحكومة في قرارها (في أقل تقدير) على الشركات طالبة الترخيص أن يسددوا أوامر التحصيل ودفع الكفالات المصرفية اللازمة والتي تقدر بمئات ملايين الدولارات! علما أن دراسة برنامج الأمم المتحدة الانمائي، بناء على مسح الجيش بين عامي 2007 و 2020 ، كانت قد قدرت كلفة التدهور البيئي والاضرار واعادة التأهيل لمقالع شركات الترابة الثلاثة العاملة في لبنان بمساحة ما يقارب الثلاثة ملايين متر مربع و 30 مليون متر مكعب، لتحصيل ما يقارب 370 مليون دولار اميركي، من دون تقدير كلفة اختفاء الينابيع وتلوث المياه في مناطق المقالع والتي طالما تحفظت وزارة الطاقة والمياه على إعطاء الترخيص فيها! فلماذا لم تشترط تحصيلها قبل الترخيص؟!
* بالرغم من الفورة الإعلامية شبه اليومية للاعلان عن اي حركة، لم يكن هناك أي شفافية في التعامل مع ملف حساس ومركزي في وزارة البيئة كالمقالع والكسارات وحجم مخالفاتها والاعلان عن أرقام أوامر التحصيل وحجم الأضرار والقرارات ذات الصلة، ولا حصل الإعلان عن المقالع التي لا تزال تعمل دون تراخيص والمطالبة باقفالها والتحصيل منها عائدات بمليارات الدولارات!
* تعمل شركات الترابة في لبنان ضمن سوق محلي محمي بقرار منذ العام 1993 يمنع استيراد الترابة دون اجازة مسبقة من وزارة الصناعة. لذا تتحمل وزارة الصناعة ايضا مسؤولية تقييم هذا الخيار مع العلم انه قبل الأزمة الأخيرة المفتعلة كان طن الترابة يباع بما يقارب 90 دولار في السوق المحلي، في حين كانت الشركات تصدّر الترابة بنصف سعر السوق المحلي هذا تقريبا! وبغض النظر عن ضريبة الtva المعروفة على سعر البيع، تستوفي المالية ثلاثة دولارات فقط على الطن! فاين يذهب نصف فرق سعر الطن؟! فلو وضعت المالية عشرة أضعاف الضريبة على الطن المستورد لبقي سعر السوق ارخص على المواطن والمستهلك واستفادة الطبيعة والخزينة والصحة العامة أكثر بكثير. مع العلم أن الدولة السورية بعد الحرب تستورد الترابة بنصف السعر المحلي عندنا تقريبا!
* الشروط البيئية التي وضعتها وزارة البيئة و الملحقة بقرار مجلس الوزراء المذكور مضحكة لاسيما “الحزام الاخضر” و”كاسر الرياح” و”التعويض البيئي” … أمام عمليات اقتلاع الجبال والتسبب بأمراض قاتلة لسكان المحيط! وكذلك قضية “الاستثمار التأهيلي” المخادعة! فمن يضمن حسن التنفيذ؟!
* حسب التجربة التاريخية، الرقابة البيئية معدومة على عمل هذا القطاع، لا بل أن المدير العام للبيئة (ممثل الدولة العميقة في وزارة البيئة) الذي يعتبر المساهم الأكبر في صياغة مخرجات قرارات المجلس الوطني ومجلس الوزراء الاخيرة، هو نفسه من كان يخالف القرارات وشروط ومعايير المراقبة تاريخيا، اذ يسمح للشركات باستيراد البتروكوك بنسبة كبريت 6% ؛ بينما القرارات الوزارية ذات الصلة لا تسمح بنسبة تتجاوز ال 3%، مع ما لهذا الأمر من مكاسب مادية للشركات واضرار خطيرة على صحة المجتمعات والطبيعة. لا بل اثبت تحقيق التفتيش المركزي العام 2008 (رقم 166) التجاوزات الكثيرة والكبيرة التي قام بها مدير عام البيئة ومنها تغيير قرار وزير البيئة المتعلق بتحديد المواصفات والنسب الخاصة للحد من تلوث الهواء والمياه والتربة، وأصدر قرارا آخر الذي سمح بموجبه بزيادة الحدود المسموحة للملوثات في معامل الترابة! فكيف يسلم من جديد وضع الشروط والمراقبة؟!
* انطلاقا من كل ذلك على الحكومة أن تعيد النظر بقراراتها الأخيرة بغض النظر عن نتيجة الطعن (المحق) بها أمام مجلس شورى الدولة. وعلى اللجان النيابية المعنية أن تدقق أكثر في الأرقام والمعطيات لكي تعرف كيف تراقب وتحاسب وان تعين لجان تحقيق في كل ما تقدم.


