يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال ينظر إلى السياسة الدولية بعين رجل الأعمال ومنظم عروض المصارعة أكثر مما ينظر إليها بعين رجل الدولة . ففي عالمه ، تُوزَّع الأدوار ، ويُحدَّد الخصوم ، ويُطلب من هذا أن يواجه ذاك ، وكأن مصائر الشعوب والدول تُدار بقرارات فوقية أو بتفاهمات بين اللاعبين الكبار .
من هنا جاء الاستغراب من الحديث عن مطالبة الرئيس السوري أحمد الشرع بمعالجة ملف سلاح حزب الله في لبنان . فمهما اختلف اللبنانيون في مقاربتهم لهذا الملف ، ومهما تباينت مواقفهم السياسية من الحزب ودوره وسلاحه ، فإن القضية تبقى شأناً لبنانياً بامتياز ، لا يُحسم بطلب أميركي ولا يُعالج بتكليف خارجي .
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات اللبنانية لا تجد حلولاً مستدامة إلا عندما تنطلق من الداخل اللبناني ومن خلال مؤسسات الدولة والحوار بين اللبنانيين أنفسهم . أما تحويل لبنان إلى بند على جدول مفاوضات إقليمية ودولية ، فلم ينتج عبر العقود سوى المزيد من الأزمات والانقسامات والتدخلات الخارجية .
المفارقة أن القوى الكبرى كثيراً ما تتحدث عن سيادة الدول واستقلالها ، لكنها لا تتردد في تجاوز هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها أو حساباتها السياسية . وهنا تكمن المشكلة الأساسية . فلبنان لا يحتاج إلى أوصياء جدد ، بل إلى دولة قوية قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها ، وإلى توافق وطني يضع المصلحة اللبنانية فوق كل اعتبار .
إن معالجة القضايا الخلافية ، وفي مقدمتها مسألة السلاح والاستراتيجية الوطنية والعلاقات الإقليمية ، لا تكون عبر التعليمات الآتية من الخارج ، بل عبر مشروع وطني جامع يعيد للدولة دورها ومكانتها . أما الاعتقاد بأن ملفات معقدة ومتشابكة كهذه يمكن أن تُحل بقرار من واشنطن أو بطلب من رئيس إلى آخر ، فهو تبسيط مخلّ لواقع المنطقة ولتعقيدات لبنان .
السياسة ليست عرض مصارعة يُكتب السيناريو مسبقاً ، والشعوب ليست جمهوراً ينتظر نتيجة المباراة . إنها مصالح وحقوق وسيادات وطنية ، وأي حل لا ينطلق من هذه الحقيقة يبقى مجرد فصل جديد في مسلسل الأزمات المفتوحة


