العميد الركن مروان زاكي ( م)
لم تكن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران مجرد عملية عسكرية تستهدف منشآت أو قواعد صاروخية ، بل كانت محاولة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة . وبعد انتهاء الموجة الرئيسية من العمليات ، يمكن القول إن واشنطن وتل أبيب حققتا تفوقاً عسكرياً واضحاً . لكن هل تحقق الهدف السياسي من الحرب؟
فالخبرة العسكرية تعلمنا أن تدمير الأهداف لا يعني بالضرورة كسب الحرب . لقد أصيبت البنية العسكرية الإيرانية بخسائر كبيرة ، وتراجعت قدرتها على الرد بالمستوى الذي كانت عليه قبل المواجهة ، إلا أن الدولة الإيرانية بقيت قائمة ، والقرار السياسي لم يتغير ، كما لم تختفِ العوامل التي دفعت إلى الصراع أساساً .
ومن بين الأهداف الرئيسية للحرب ايضاً كان البرنامج النووي الإيراني ، ولا سيما مخزون اليورانيوم المخصب والمنشآت المرتبطة به . ورغم ما أعلن عن استهداف هذه المنشآت وإلحاق أضرار كبيرة بها ، فإنه ما زال حجم ما تم تدميره وما إذا كانت إيران ما تزال تحتفظ بجزء من مخزونها النووي أو بقدرتها التقنية على إعادة بناء البرنامج خلال فترة زمنية محدودة .
فالمعرفة العلمية والخبرة التقنية لا يمكن تدميرهما بالقوة العسكرية وحدها ، وهو ما يجعل الجدل حول النتائج الفعلية للحرب مفتوحاً حتى اليوم .
أما في لبنان ، فإن نتائج هذه الحرب لا يمكن فصلها عن موقع حزب الله في المعادلة الإقليمية . فالحزب الذي شكّل طوال سنوات أحد أبرز أركان النفوذ الإيراني في المنطقة ، يجد نفسه أمام واقع مختلف إذا ما استمرت آثار الحرب على القدرات الإيرانية . غير أن ذلك لا يعني خروجه من المشهد أو انتهاء دوره ، بل يعني أن مرحلة جديدة قد بدأت تفرض على جميع الأطراف إعادة قراءة موازين القوى وتداعياتها .
وفي الوقت نفسه ، تضع هذه التحولات لبنان أمام استحقاق داخلي لا يقل أهمية عن نتائج الحرب نفسها ، وهو استعادة الدولة لدورها المرجعي في القرار الأمني والسياسي . فالتجارب أثبتت أن استقرار الأوطان لا يُبنى على توازنات المحاور الخارجية بقدر ما يُبنى على قوة الدولة ووحدة قرارها وسيادتها على كامل أراضيها .
قد تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد حققتا تفوقاً عسكرياً واضحاً وألحقتا بإيران خسائر كبيرة ، وقد تكون إيران نجحت في الصمود ومنع خصومها من تحقيق نصر سياسي حاسم ، إلا أن الحقيقة الأبرز هي أن أياً من الأطراف لم يتمكن من فرض واقع إقليمي جديد حتى الآن .
فالحروب قادرة على تدمير المنشآت والقواعد العسكرية ، لكنها أقل قدرة على حسم الصراعات المرتبطة بالمصالح والنفوذ والهويات السياسية . لذلك تبدو هذه الحرب ، رغم ضخامتها وما خلفته من خسائر ، أقرب إلى محطة في صراع مفتوح منها إلى نهاية له .
لكن هل كانت الحرب مدخلاً إلى تسوية جديدة في المنطقة ، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من المواجهة بأدوات مختلفة وعناوين جديدة؟
هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة ، لا نتائج المعارك وحدها .


