بقلم جورج حايك :
«يلي بيريد منّي شي، أنا الأب شربل موجود بالمحبسة على طول…» هذا ما قاله القديس شربل لنهاد الشامي، وهي نقلته إلى الناس بأمانة مطلقة.
حتماً، شربل لا يمزح. وقد كرّس عنايا، منذ أكثر من مئتي عام، كأجمل مكان للصلاة والمحبة. ويكفي أن يقضي المرء عدة ساعات في جوار المحبسة وداخلها، حتى يتأكد من حضور الله ومحبته للبشر.
في عنايا، لا يبحث المرء عن الله في جوّ الأحلام، بل في حقيقة واقعية لحياة شربل المتزنة، التي عاشها بعزم ثابت، وبذل كل جهد وحب للوصول إلى الاتحاد بالمسيح.
وذاك الشعور بمرافقة القديس شربل لنا منذ لحظة وصولنا إلى محيط المحبسة ليس شعوري وحدي، بل إن الملايين الذين زاروا هذا المكان المقدّس يُجمعون على ذلك، بعدما اختبروه في الصميم على تلة عنايا. إنه شعور بتلك الطاقة الغريبة التي يشحن بها الصمتُ الإنسانَ. ورغم أن المكان بات مزاراً يقصده الحجاج، إلا أنه لا يزال يمارس تأثيره العجائبي في نفوسهم. شربل حاضر هنا وهناك على تلك التلة، ووجوده مع المسيح يملأها.
هناك تُشاهد بأم العين امرأة تتوق إلى الأمومة، وأخرى مصابة بصداع مزمن تلمس وجهها وتمرغ يديها على الشباك الحديدي، وشاباً على كرسي نقّال يدفعه ذووه نحو المحبسة بجهد ظاهر…
«عيادة» شربل تستقبل… تستقبل دون انقطاع. وصنف آخر من الأصحاء جاء يبتهل، ويقدّم فروض العبادة والخشوع، ويطلب الصحة والنجاح، ويصلي لأولاده وجيرانه وأقربائه في الوطن والمهجر، ويقدّم النذور، ويشفعها بالابتهالات، والتخلي عن الغالي والنفيس. ولا تسمع سوى عبارة واحدة: «يا مار شربل، دخيل أجريك».
وإذا كنت فارغاً من الأفكار عندما تزور المحبسة، فيكفي أن تملأ نفسك بهذه اللوحة: في ذلك الصباح، تسلّل النور من نافذة الكنيسة، وبدأت أشعته تتماوج على ثوب شربل الداكن بعد ليل طويل، واكتملت اللوحة مع صلواته الهامسة إلى الله، والبركات المنسكبة منه. أصداء لا يتخيّل إنسان أن تسمعها أذناه!
فما علة هذا الإشعاع وتلك الهمسات؟ إنها ليست سوى حوار الحبيب شربل مع محبوبه الله. إنه سرّ الله في مختاريه.
هكذا ينتهي يوم مع صفيّ الله شربل مخلوف في المحبسة، ليبدأ يوم آخر بالنور أيضاً.
ولفرط ما تكدّس من هذا النور السماوي في حياته، انفجرت أشعته الباهرة فوق ضريحه بعد وفاته، وغمرت بوهجها وصفائها دير عنايا، فأصبح منارة هدى لكل ساعٍ إلى الله، ولكل تائق إلى السير في دروب النور.
يا له من مكان مهيب! إنه بيت الله، وهذا هو باب السماء. من هنا صعد شربل والحبساء الأبرار إلى الأبدية، وينعمون بها.


