بعد سنوات من الانهيار، وتجميد الودائع، والغموض المحاسبي، والمساءلة غير المكتملة، لم يعد التشكيك مبررا فحسب، بل اصبح ضروريا.
لكن لا ينبغي التسرع في اعتبار مهمة التدقيق الاخيرة لدى مصرف لبنان مجرد تكرار لتجربة Alvarez & Marsal السابقة. من الناحية التقنية، يبدو اننا امام نطاق تدقيق مختلف.
فالمهمة السابقة تركزت بصورة اساسية على حسابات مصرف لبنان، وعلى اخفاقات الحوكمة التاريخية.
اما المهمة الجديدة، فهي اقرب الى تدقيق على مستوى العمليات و التحويلات نفسها: اذ تستهدف عمليات محددة مرتبطة باصول بالعملات الاجنبية بين اواخر عام ٢٠١٩ ونهاية عام ٢٠٢٣، وهي تحديدا المرحلة التي قام خلالها مصرف لبنان بتمويل الدعم، واحتياجات القطاع العام، ومدفوعات مرتبطة بحسابات المصارف في الخارج.
وهذا الفارق جوهري. فالسؤال الاساسي لم يعد فقط: كيف كانت تبدو ميزانية مصرف لبنان؟ بل اصبح ايضا: من تلقى العملات الاجنبية؟ وعلى اي اساس قانوني؟ ولاي غرض معلن؟ وهل استخدمت الاموال فعلا وفقا لذلك الغرض؟ ومن كان المستفيد النهائي: المواطن، المستورد، المصرف، المؤسسة العامة ؛ ام جهة اخرى؟ والاهم: ما هي المبالغ التي يجب ان تسجل قانونيا كديون او مطالبات على الدولة، بدلا من ان تحمل بصمت للمودعين؟ هنا يصبح التدقيق ذا اهمية اقتصادية فعلية.
لا يمكن حسم نقاش توزيع الخسائر في لبنان سياسيا، بينما لا تزال التدفقات المالية الاساسية غير موثقة بما يكفي.
فاذا كانت مليارات الدولارات قد استخدمت من قبل مصرف لبنان لتمويل قرارات اتخذتها الدولة ؛من الدعم، الى المؤسسات العامة، الى الالتزامات الخارجية، او التدخلات الطارئة ؛فيجب تحديد هذه التدفقات، وقياسها، وتصنيفها، ووضعها في الميزانية الصحيحة.
والا، فنحن لا نقوم بعملية تعاف. نحن نمارس النسيان المحاسبي. والامر نفسه ينطبق على برنامج الدعم. فالمسألة لا تتعلق فقط بما اذا كان الدعم مكلفا. نحن نعلم انه كان كذلك.
السؤال الجنائي الحقيقي هو ما اذا كانت الدولارات المدعومة قد وصلت الى مستوردين شرعيين، ومولت السلع المقصودة، وانعكست اسعارا مدعومة للمستهلك اللبناني ؛ ام ان جزءا من البرنامج تحول الى قناة ارباح ومراجحة على حساب الاحتياطات والمودعين.
انتقاد التدقيق امر صحي. لكن النقد يجب ان يركز على الاختبارات الفعلية: هل سيكون نطاق التدقيق كاملا بما يكفي؟ هل ستتاح البيانات على مستوى المستفيدين؟ هل ستنشر النتائج بتفصيل كاف؟ هل ستحال المخالفات الى القضاء؟ هل ستعترف الدولة بالالتزامات التي نتجت عن قراراتها السياسية والمالية؟ وهل سيترجم ذلك اخيرا ضمن اطار جدي للتعافي المالي؟ التدقيق الجنائي، بحد ذاته، ليس مساءلة. هو لا يصبح مفيدا الا اذا انتج ادلة قابلة للتتبع، ونتائج قانونية، واعترافا محاسبيا واضحا.
لكن في نظام جرى فيه كثيرا تمويه الخسائر، او نقلها، او انكارها، فان توثيق التدفقات المالية ليس ترفا تقنيا.
بل هو شرط اساسي لاي نقاش جدي حول المسؤولية، والتعافي، وحقوق المودعين.


