فنّد الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان أسباب الأزمة المالية التي يعيشها لبنان منذ سنوات عبر منصة إكس:
يمكن وصف الأزمة المالية في لبنان بأنها أزمة نظامية نعم، لكن هذه الكلمة تُستخدم بطريقة تخلق الكثير من الالتباس.
فكون الأزمة نظامية لا يعني أنها كانت حتمية، ولا يعني أن لا أحد مسؤول، وبالتأكيد لا يعني أن الانهيار كان كارثة طبيعية لم يكن بالإمكان تفاديها.
ما يقوله صندوق النقد الدولي هو أن الأزمة أصبحت نظامية لأنها أصابت كامل البنية المالية: اولدولة، المصرف المركزي، المصارف، ربط الليرة بالدولار، وفي النهاية كل مودع. هذا صحيح.
لكن النقطة الأهم هي أن ما حصل كان أزمة نظامية داخلية المنشأ (Endogenous). أي أنها وُلدت من داخل النظام نفسه، على يد الأشخاص الذين كانوا يديرونه ويستفيدون منه، لا نتيجة صدمة خارجية فُرضت على لبنان.
وهذا الفرق أساسي. لبنان لم ينهَر في ٢٠٠٨ عندما اهتزّ النظام المالي العالمي.
ولم ينهَر في ٢٠١١ وسط الاضطرابات الإقليمية.
ولم ينهَر خلال الحرب الأهلية أو بعد حرب ٢٠٠٦.
لعقود، استطاع القطاع المصرفي أن يصمد أمام صدمات كانت أخطر بكثير مما حدث في ٢٠١٩.
الودائع كانت تدخل، والمصارف كانت تعمل، والنظام رغم هشاشته كان لا يزال قائماً. ثم جاءت ٢٠١٩… بلا أزمة مالية عالمية، بلا حرب مفاجئة، وبلا أي صدمة خارجية تبرّر انهياراً مصرفياً بهذا الحجم.
الانهيار حصل في زمن السلم. وهذا التوقيت وحده يقول الكثير. نعم، النموذج الاقتصادي كان هشّاً: اعتماد مفرط على تدفقات الأموال، ربط نقدي بلا اقتصاد منتج يدعمه، دولة مدمنة على العجز، وقطاع مصرفي أصبح أكبر من الاقتصاد الحقيقي نفسه. لكن الأنظمة الهشّة لا تنهار فجأة وحدها. هي تنهار عندما يواصل من يديرها استغلالها، وإخفاء المخاطر، واستخدامها لتأجيل الحقيقة.
وهذا تماماً ما حصل في لبنان. الهندسات المالية التي قام بها المصرف المركزي، انكشاف المصارف على الدولة، الحماية السياسية التي أحاطت بهذه المنظومة، واستخدام أموال المودعين لإبقاء نظام فاسد على قيد الحياة…
كل ذلك لم يكن قوى نظامية غامضة. بل كان قرارات. قرارات بشرية. اتخذها أشخاص معروفون بالأسماء والمناصب والمسؤوليات. لذلك، يمكن قبول وصف الأزمة بأنها نظامية فقط إذا كنا واضحين بشأن أي نوع من الأزمات النظامية نتحدث. لم تكن أزمة حتمية، ولم تكن انهياراً سقط من السماء.
أصبحت نظامية لأن كامل البنية انهارت معاً، لكنها كانت داخلية المنشأ لأن أسباب الانهيار صُنعت من الداخل. وهذه هي النقطة الأساسية. خطورة كلمة نظامية أنها قد تتحول إلى مكان للاختباء.
قد تجعل الأزمة تبدو وكأن الجميع مسؤول… وبالتالي لا أحد مسؤول. وهذا تحديداً ما يريده من تسببوا بالانهيار: تفسير ضبابي، توصيف تقني، ومن دون أي محاسبة حقيقية.
النظام المالي اللبناني لم ينهَر فقط لأنه كان هشّاً، بل لأنه تعرّض للاستغلال وسوء الإدارة والإساءة حتى لم يعد هناك شيء يمكن حمايته. الأزمة كانت نظامية في حجمها، لكنها بشرية في أصلها.
ومن هنا، تحديدا تبدأ المحاسبة الحقيقية.


