جورج حايك

لم يسبق أن وصلت العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران إلى هذا المستوى من التصعيد والتوتّر، لكن المتابعين لمسار هذه العلاقة لم يُفاجأوا بالرسالة الجوابية التي تقدّمت بها وزارة الخارجية اللبنانية ضد إيران أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ردًّا على رسالة إيرانية سابقة اعتُبرت “مليئة بالمغالطات”. وتُعدّ رسالة وزارة الخارجية اللبنانية غير مسبوقة بحدّتها، بل الأولى من نوعها تحت عنوان: “اتهام إيران بالتدخّل في القرار السيادي اللبناني وتوريط الدولة في حرب لم تخترها”.
وتكشف مصادر مقرّبة من وزارة الخارجية أن هذه الخطوة حُضّرت مع الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، وهما على اطّلاع كامل وعميق عليها. وقد سبقت هذه الرسالة العالية النبرة رسالتان تقدّمت بهما وزارة الخارجية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 21 نيسان الفائت، وشكّكتا في الرواية الإيرانية بشأن مقتل دبلوماسيين إيرانيين خلال غارة إسرائيلية على فندق “رامادا” في بيروت في 8 آذار الفائت، لأن التحقيقات أكّدت أنهم ليسوا دبلوماسيين، إنما مسؤولون في الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يُعتبر انتهاكًا لاتفاقية فيينا.
ولا شك في أن دنيز رحمة فخري، مستشارة وزير الخارجية جو رجّي، تعمّدت نشر الرسالة في وسائل الإعلام، وبات مضمونها معروفًا. وتؤكّد المصادر أنها تشمل حقائق ووقائع لا يُمكن القفز فوقها، وأهمها أن الدبلوماسيين الإيرانيين كانوا في الواقع أعضاءً في الحرس الثوري الإيراني، وأن صورًا انتشرت تُظهرهم بزيّ عسكري. وقد اعتبر لبنان ذلك انتهاكًا للمادة 41 من اتفاقية فيينا، التي تُلزم الدبلوماسيين باحترام قوانين الدولة المضيفة والامتناع عن التدخّل في شؤونها الداخلية، فضلاً عن حظر استخدام المباني الدبلوماسية لأغراض تتعارض مع الوظائف الدبلوماسية.
واللافت أنَّ السفارة الإيرانية لم تنسّق مع وزارة الخارجية اللبنانية بشأن نقلهم إلى الفندق، مضيفةً أن بعض القتلى لم يكونوا مسجّلين رسميًا كدبلوماسيين. وزاد من غموض المشهد أن وزارة الخارجية اللبنانية طلبت من السفارة الإيرانية مرتين قائمة محدّثة بأسماء موظفيها الدبلوماسيين، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى وقت تقديم الرسالة.
أما المسألة الثانية، التي لا تقل أهمية، والتي ذكرتها الرسالة الجوابية، فقد تجاوزت إطار الردّ على الرسالة الإيرانية، وفق المصادر المقرّبة من وزارة الخارجية، إذ أثارت إشكالية تحدّي إيران لقرار لبنان طرد السفير الإيراني المُعيّن محمد رضا رؤوف شيباني، وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، ومطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية قبل 29 آذار الفائت. وقد اعتبرت وزارة الخارجية أن تصرّفاته تُشكّل “انتهاكًا صريحًا لاتفاقية فيينا، سواء من خلال تصريحات إعلامية تُعتبر تدخّلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، أو من خلال رفضه الامتثال لقرار الدولة المضيفة بالمغادرة”.
أما المسألة الثالثة، فتركّزت على إعلان الحرس الثوري الإيراني، في 11 آذار الفائت، عن بدء أول عملية مشتركة منسّقة له مع “حزب الله” منذ اندلاع الحرب الأخيرة، مستخدمًا الصواريخ والطائرات المسيّرة لضرب أكثر من 50 هدفًا داخل إسرائيل. وقد أشارت المصادر إلى أن “هذا الأمر مثير للقلق الشديد”.
وسألنا المصادر عن جوابها حول امتعاض “حزب الله” من هذه الرسالة، التي يبدو مضمونها أقرب إلى الشكوى، وادّعائه أن وزارة الخارجية اللبنانية تُلبّي إملاءات أميركية وإسرائيلية بدلًا من التقدّم بشكوى ضد الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية الجرمية، وجرف المباني والبيوت في البلدات والقرى الجنوبية وقتل المدنيين. لكن المصادر أجابت بأن الرسالة التي صدرت أمس، وهي الأولى ضد إيران، جاءت بعد سلسلة شكاوى ضد إسرائيل، وأهمها:
– توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في سلسلة شكاوى بلغت 10 خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.
– شكوى ضد إسرائيل بشأن الاعتداءات على الصليب الأحمر والمسعفين والإعلاميين.
– شكوى ضد تصريحات وزيري المال والدفاع الإسرائيليين حول ضم لبنان إلى إسرائيل.
– شكوى ضد عمليات الجرف الإسرائيلية للقرى الجنوبية ومصادرة الأراضي.
وتلفت المصادر إلى أن وزير الخارجية لم يُقصّر يومًا في الدفاع عن حقوق لبنان ضد أي محاولة اعتداء عليه، سواء أكانت إسرائيلية أم إيرانية، ولن يتساهل مع أي اعتداء على سيادة لبنان، أياً تكن الجهة التي تقف خلفه. ولذا، فإن هذه ليست مجرد خطوة دبلوماسية، إنما إجراء سيادي مفصلي يعيد للبنان كرامته بعد أعوام من الاعتداءات والانتهاكات.
وعلمت “المدن” أن المندوب الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة، أحمد عرفة، سيتابع الرسالة في مجلس الأمن، وهو سبق أن حمّل “الحزب” مسؤولية إشعال فتيل الحرب مع إسرائيل خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي في نيسان الفائت. وترى المصادر أن هذه الرسالة قد لا تردع التدخّلات الإيرانية السافرة في لبنان، لكنها تحفظ حق الدولة السيادي في مواجهة هذه التصرّفات المخالفة للقانون الدولي دبلوماسيًا.
ولا يختلف اثنان على أن السلطات اللبنانية اتخذت في الأشهر الأخيرة إجراءات غير مسبوقة ضد إيران، وهي تؤكّد رفض الدولة هيمنة “الحزب” ومرجعيته الإيرانية على قرارها الرسمي، كما كان يجري في الأعوام الفائتة. بل انتقلت الحكومة اللبنانية من الإطار النظري إلى الإطار التنفيذي، من خلال الرسالة التي بُعثت إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.


