العميد الركن مروان زاكي(م)
في كل مرة تُطرح فيها قضية العفو العام في لبنان ، يسقط القناع سريعاً . تختفي لغة الدولة ، ويعلو صوت الطوائف . يتحول النواب إلى محامين عن نزلاء السجون ، لا عن القانون ، وتصبح العدالة بازاراً سياسياً وطائفياً ، كل فريق يريد حصته من البراءة ، لا حصته من بناء دولة محترمة .
المشكلة ليست في العفو العام ، بل في العقلية التي تدير البلاد . فالدول لا تُدار بالعويل المذهبي ، ولا بتوزيع المظلومية ، ولا بالمزايدات . الدولة تُدار بالقانون . وعندما يبقى إنسان موقوفاً سنوات من دون محاكمة ، فهذه فضيحة قضائية وسياسية وأخلاقية قبل أن تكون قضية عفو .
ما معنى أن يُسجن شخص أكثر من المدة التي قد يحكم بها أصلاً ؟ وما معنى أن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة بسبب قضاء عاجز ودولة عاجزة؟
إذا كان القضاء غير قادر على إجراء المحاكمات ضمن المهلة القانونية ، فالمشكلة ليست عند الموقوف ، بل في بنية دولة متآكلة لا تعرف سوى إدارة الأزمات بالترقيع .
ثم يخرج السياسيون علينا بمسرحية جديدة . شد حبال طائفي حول العفو العام . هذا يريد شمول جماعته ، وذاك يرفض حماية لصورته الشعبوية ، وثالث يفاوض على دم الناس كما لو أنهم أوراق انتخابية . أما القانون ، فلا أحد يسأل عنه إلا في الخطب .
في كل دول العالم هناك عفو عام ، لكن ليس على طريقة فُكّوا جماعتي وأنا أوافق . هناك معايير واضحة . جرائم تُستثنى ، وجرائم يمكن معالجتها ، وظروف إنسانية تؤخذ بعين الاعتبار . لا أحد في العالم يعفو عن القتل العمد وتجار المخدرات وكأن الدولة توزع جوائز ترضية . أما عندنا ، فالمعيار الوحيد غالباً هو حجم الصراخ الطائفي .
الأخطر أن الطبقة السياسية تتصرف وكأنها بريئة من الكارثة . من الذي أهمل القضاء لعقود؟ من الذي حوّل التعيينات القضائية إلى محاصصة؟ من الذي ترك السجون مكتظة والمحاكم مشلولة؟ أليسوا أنفسهم الذين يصرخون اليوم دفاعاً عن الموقوفين؟
المطلوب ليس مزاداً طائفياً جديداً ، بل قرار دولة . تسريع المحاكمات ، منع التوقيف المفتوح بلا أحكام ، إصلاح القضاء ، ووضع قانون عفو واضح وعادل لا يُفصّل على قياس الزعماء والطوائف . أما الاستمرار بهذه المهزلة ، فهو إعلان رسمي بأن لبنان لا يزال مجموعة قبائل تتقاتل داخل هيكل دولة فارغ .
القضاء مدعو إلى الاستيقاظ من غفوته . العدالة البطيئة ليست عدالة ، والتأخير المتعمد أو العجز المزمن يساوي ظلماً موصوفاً . لا يمكن للقاضي أن يختبئ دائماً خلف نقص الإمكانيات فيما حياة الناس معلقة بين الجدران والملفات المغبرة .
الدولة التي تعجز عن إصدار حكم في الوقت المناسب ، ثم تبحث عن عفو عام لتغطية فشلها ، ليست دولة تحكم… بل دولة تهرب من مسؤولياتها .
وما بين الفوضى والعدالة ، تبقى التجارب العالمية خير دليل على أن بناء الدولة ليس أمراً مستحيلاً .
فإيطاليا التي عانت طويلاً من سطوة المافيا ، لم تنتصر عليها بإمكانات خارقة، بل بدولة قررت أن تكون العدالة فوق النفوذ . وعندما تحضر الدولة الحقيقية ، يتراجع الخوف وتتقدّم هيبة القانون .


