العميد الركن مروان زاكي (م)
ليست المشكلة في صورةٍ عابرة ، بل في المعنى الذي تُحاول فرضه . حين تُنشر صورة تُهين رمزاً دينياً ، فنحن لا نكون أمام رأي أو حرية تعبير ، بل أمام انحدارٍ في المعايير وضربٍ لما تبقّى من لغةٍ مشتركة بين اللبنانيين .
في مقالٍ سابق قلنا إن الكلام صفة المتكلّم . عبارةٌ تُقيم ميزاناً بسيطاً . قيمة القول من قيمة قائله . أمّا اليوم ، ومع مشهد الإهانة ، يفرض السؤال نفسه . ماذا يبقى من الكلام… إذا صار المتكلّم حذاء؟
الحذاء لا يتكلّم ، لكن استخدامه في الإهانة هو إعلان عجزٍ عن بناء جملةٍ تُقنع . هو انتقال من منطق النقاش والإقناع إلى منطق الإقصاء وإسكات الآخر ، ومن محاولة الفهم إلى رغبة الإلغاء .
الاختلاف مع أي مرجعية حقّ مشروع ، بل ضرورة في مجتمعٍ حيّ . لكن تحويل الخلاف إلى إهانة لا يُسقط المرجعية بقدر ما يُسقط صاحب الفعل نفسه ، لأن النقد يُبنى على الحُجّة ، أمّا الإهانة فتكشف فراغها الداخلي وسوقية قائلها .
لبنان لم يقم على التطابق ، بل على التعدد . والتعدد لا يعيش إلا إذا حُمِيت حدوده الدنيا . الاحترام ، والامتناع عن الإذلال ، والتمييز بين الرأي والشتيمة . كل كسرٍ لهذه القواعد يفتح الباب لفوضى لا تُبقي أحداً خارجها .
اليوم تُهان صورة ، وغداً تُهان جماعة ، وبعدها تُهان فكرة الوطن نفسه .
حين تصبح الإهانة لغة ، تختفي السياسة ويغيب العقل . لا يُجرَح الرمز وحده ، بل تُجرَح فكرة العيش المشترك .
وما حصل من إساءةٍ لرمزٍ ديني مرفوض ، لأنه يمسّ الحدّ الأدنى من الاحترام في مجتمعٍ متعدّد . لكن الأهم أن الردّ على الإهانة بإهانة مماثلة لا يُصلح الخطأ ، بل يكرّره ، فننتقل من رفض الفعل إلى استنساخه ، ونفقد الفارق بين من بدأ ومن ردّ .
لا أنتمي إلى طائفة من أُهين، لكن عقلي ومرجعيتي الأخلاقية تستنكر ما جرى . فالموقف هنا ليس اصطفافاً ، بل موقف مبدئي من فكرة الإهانة ذاتها ، أيّاً كان صاحبها أو هدفها . فالحرب الأخيرة لم تكشف فقط ميزان القوة ، بل كشفت أيضاً معدن النفوس وحدود الخطاب ، وبيّنت كيف يمكن للكلمة أن تكون بناءً أو هدمًا ، وأن الانزلاق إلى الإذلال لا يترك في النهاية إلا مجتمعاً أكثر هشاشة وأقل قدرة على فهم نفسها .
الحرية مسؤولية ، والكلمة موقف ، والكرامة لا تُجزّأ . نختلف كما نشاء ؟ نعم ، لكننا لا ننحدر إلى ما يُفقدنا حقّ الاختلاف نفسه .
إذا كان الكلام صفة المتكلّم ، فالإهانة أيضاً صفته . والسؤال الأخير يبقى بسيطاً . هل نريد وطناً يتّسع لخلافاتنا… أم ساحةً يتقدّم فيها الحذاء على الكلمة؟


