العميد الركن الطيار المتقاعد اندره بومعشر
إعادة تأطير الاستقالة: من مؤشر أزمة إلى دليل حيوية مؤسسية
تُقرأ استقالة عدد من المسؤولين في إدارة الرئيس ترامب غالباً بوصفها مؤشراً على خلافات داخلية أو ضعف في الإدارة. إلا أنّ القراءة المؤسسية الأعمق تضع هذه الظاهرة ضمن سياق مختلف: سياق نظام رئاسي قادر على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية من دون أن يفقد تماسك الدولة.
السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي: منطق الفريق لا منطق الشراكة
في هذا الإطار، يقوم النظام الرئاسي على مبدأ القيادة التنفيذية الموحدة، حيث يشكّل فريق الحكم امتداداً مباشراً للرئيس، لا شريكاً موازياً له. وبالتالي، فإن الاستقالة أو الإقالة لا تمثّل خللاً بحد ذاتها، بل تُعدّ أداة طبيعية لإعادة ضبط الأداء السياسي والإداري، وتعبيراً عن قابلية النظام للتكيّف.
مرونة القرار التنفيذي مقابل صلابة الدولة: معادلة التوازن الرئاسي
غير أنّ هذه المرونة التنفيذية لا تعني غياب الضبط المؤسسي. فالرئيس، رغم تمتّعه بهامش واسع في إدارة فريقه، يبقى خاضعاً لمنظومة توازن دقيقة يقودها الكونغرس الاميركي، إلى جانب القضاء والرأي العام. وهنا تتجلّى إحدى أهم خصائص النظام الرئاسي: حرية في التشكيل داخل السلطة التنفيذية، مقابل رقابة صارمة من خارجها.
الفصل بين السلطات: استقلال وظيفي وتكامل رقابي
يُظهر النموذج الرئاسي الأميركي نجاحاً لافتاً في تحقيق فصل فعلي بين السلطات، ليس بمعنى القطيعة، بل بمعنى الاستقلال الوظيفي المتكامل. فالسلطة التنفيذية لا تهيمن على التشريعية، والتشريعية لا تشارك في الإدارة اليومية، فيما يحتفظ القضاء بدوره كحكم دستوري مستقل. هذا الفصل الواضح يُنتج تعاوناً مؤسسياً قائماً على الرقابة المتبادلة، لا على التداخل أو التعطيل.
النموذج اللبناني: من تداخل السلطات إلى تعطيلها
في المقابل، يبرز الواقع اللبناني كنموذج معاكس، حيث لا يتحقق الفصل الفعلي بين السلطات، ولا يتكرّس التعاون المنتج بينها. فالسلطات غالباً ما تتداخل ضمن شبكة من التوازنات السياسية والطائفية، ما يؤدي إلى إضعاف استقلاليتها من جهة، وتعطيل فعاليتها من جهة أخرى. فلا السلطة التنفيذية قادرة على الحسم، ولا التشريعية تمارس رقابة فعالة، ولا القضاء يتمتع دائماً بالاستقلال الكامل.
غياب كلفة المنصب: مدخل إلى الجمود المؤسسي
هذا التداخل ينعكس مباشرة على آليات المساءلة. فلا الإقالة متاحة بسهولة، ولا الاستقالة تحوّلت إلى ممارسة سياسية راسخة. والنتيجة هي تثبيت المسؤول في موقعه بمعزل عن أدائه، ما يؤدي إلى تراكم العجز بدل معالجته. إنّ غياب كلفة المنصب العام يُضعف منطق المسؤولية، ويحوّل الإدارة إلى بنية جامدة يصعب إصلاحها من الداخل.
ثبات الأشخاص أم استمرارية المؤسسات: معيار قوة الأنظمة
من هنا، لا تكمن المشكلة في لبنان في كثرة التبديل داخل السلطة، بل في غيابه. فالنظام الذي يعجز عن تغيير مسؤوليه يفقد إحدى أهم أدواته التصحيحية. في المقابل، يُظهر النظام الرئاسي أنّ تبديل الأشخاص لا يهدد استمرارية الدولة، بل يعزّزها عندما يتم ضمن قواعد مؤسسية واضحة.
نحو إعادة بناء منطق الدولة في لبنان
إنّ الدرس المستفاد لا يتمثل في استنساخ النموذج الرئاسي، بل في استلهام آلياته الوظيفية، لا سيما في ما يتعلّق بترسيخ مبدأ الفصل الفعلي بين السلطات، وتفعيل أدوات المساءلة، وربط المنصب بالأداء. فالدولة الحديثة لا تقوم على ثبات الأشخاص، بل على قدرة المؤسسات على التغيير المنضبط.
وعليه، فإن تطوير النظام السياسي في لبنان يمرّ حتماً عبر إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية السياسية، وتحويل الاستقالة والإقالة من أحداث استثنائية إلى أدوات طبيعية ضمن دورة الحكم، وإرساء فصل حقيقي بين السلطات يتيح التعاون دون أن يؤدي إلى التعطيل. فحيوية الأنظمة لا تُقاس بغياب الأزمات، بل بقدرتها على إدارتها وإنتاج البدائل.


