نتيجة الحرب الإسرائيلية ، لم يعد النقاش نظرياً .
قرى الجنوب دُمّرت ، عدد غير قليل من الشهداء ارتقوا ، والتهجير والتشرّد أصبحا واقعاً يومياً .
هنا ، الكلفة ليست أرقاماً ، بل حياة ناس وذاكرة أماكن تُمحى .
أمام هذا النزف ، طُرح خيار التفاوض لوقف المجزرة .
القرار لم يأتِ من فراغ ، بل من محاولة وقف الانهيار الإنساني قبل أي حساب آخر . لكنّه قوبل برفض من جهة ترى أنّ التراجع يُفقد التضحيات معناها ، فيما أيّدته جهة أخرى اعتبرته الطريق الأقصر لوقف النزف .
هكذا ، لم يكن القرار مجرّد خيار سياسي ، بل لحظة انقسام داخلي .
بلدٌ منقسم بين من يرى في التفاوض ضرورة ، ومن يراه تنازلاً . وبين هذين الموقفين ، اتُّخذ القرار .
هنا تبدأ المعضلة . القرار ، بمجرد اتخاذه ، خسر رافضيه .
لكن التراجع عنه لا يُعيد ما خسره ، بل يفتح خسارة جديدة . فإذا تمّ التراجع ، يُفقد المؤيّدين من دون استعادة الرافضين . عندها ، لا يكون التراجع تصحيحاً ، بل خسارة مضاعفة : خسارة القرار وخسارة التراجع معاً .
المشكلة ليست فقط في الانقسام ، بل في غياب مسار واضح . لأن ما يجري ليس نقاشاً سياسياً عادياً ، بل إدارة نزف مفتوح : دم ، تهجير ، وبلد يتآكل . وفي ظل هذا الواقع ، لا يعود التردد خياراً ، بل استنزافاً مستمراً .
القرار يحتاج إلى قدرة على تحمّل كلفته والدفاع عنه ، والتراجع يحتاج إلى قدرة على تبريره واستعادة الثقة . وعندما تغيب هذه القدرة ، يصبح كلاهما عبئاً .
اتخاذ القرار أفضل من لا قرار ، لأن الفراغ أشدّ كلفة من الخطأ .
لكن الحقيقة الأهم أن الحلّ الناجح يبقى الخيار الوحيد الذي يبرّر كلّ هذه الكلفة .
بين قرارٍ خسر فريقاً ، وتراجعٍ قد يُفقد الفريق الآخر ، تتكامل الخسارة بدل أن تعالج


