في لبنان ، لا يُطرح سؤال الحرب بوصفه خياراً عسكرياً ، بل كمسارٍ مشحون بالمعنى . الشهادة ، والمقاومة ، والهوية. هنا ، لا تكون الحرب دائماً أداة لتحقيق هدف سياسي واضح ، بل تتحول إلى غاية بحد ذاتها ، إلى فعل يُقاس بقيمته الرمزية أكثر مما يُقاس بنتائجه .
في خطاب المقاومة ، تتقدّم فكرة الشهادة باعتبارها ذروة الفعل . الشهادة ليست خسارة ، بل انتصار معنوي . وليست نهاية ، بل اكتمال . لكن حين تصبح الشهادة هدفاً ، يبهت سؤال التحرير : ماذا نحرّر؟ وكيف نحرر؟ وبأي كلفة ؟ ولصالح من؟
في هذا السياق ، يظهر حزب الله كفاعل يملك قرار الحرب ، مستنداً إلى عقيدة تتقاطع مع إيران ، حيث تمتزج السياسة بالدين ، والاستراتيجية بالرمزية . هنا ، لا يُتخذ القرار فقط وفق حسابات الربح والخسارة ، بل وفق منطق المعنى والالتزام العقائدي .
في المقابل ، يقف لبنان في موقع مختلف تماماً . دولة لا تشارك في قرار الحرب ، لكنها تتحمّل تبعاته كاملة ، لا تضغط على الزناد ، لكنها تقع في مرمى النار .
هذا التناقض لا يمكن تبسيطه أو تبريره بسهولة .
لأن الحرب ، مهما كانت دوافعها ، لا تبقى في إطارها النظري .
الصاروخ الذي يُطلق من الأرض اللبنانية ، لا يُصنّف وفق النوايا ، بل يُقابل بردّ على الأرض نفسها وتحديداً منطقة باكملها وحتى في لبنان كله . والدم الذي يُسفك ، لا يُقسَّم بين من أراد الشهادة ومن أراد الحياة . هنا تحديداً تتكشّف المعضلة ،
حين تتحوّل الشهادة إلى هدف ، والحرب إلى تعبير عن هوية ، يصبح من الصعب إخضاع القرار لمنطق الكيان الوطني .
وحين يصبح القرار خارج الدولة ، تتحوّل الدولة إلى متلق دائم للنتائج .
قد يبدو الفصل واضحاً ، مقاومة تقاتل ، ودولة تراقب .
لكن الواقع أكثر قسوة ، لا أحد يملك ترف الحياد .
لبنان لا يستطيع أن يكون شاهداً .
لأن الجغرافيا لا تشهد… بل تُستهدف .
ولأن الاقتصاد لا يراقب… بل ينهار .
ولأن الناس لا تكتفي بالمشاهدة… بل تدفع الثمن .
المشكلة ، إذاً ، ليست في الشهادة كمفهوم ، ولا في المقاومة كفكرة ، بل في تحوّلهما إلى بديل عن القرار السياسي .
حين يصبح الفعل العسكري منفصلاً عن مشروع وطني جامع ، تفقد الحرب معناها العملي ، حتى لو احتفظت بمعناها الرمزي .
لبنان اليوم أمام معادلة معقّدة ،
قرار حرب يُتخذ خارج الدولة ،
وشعب يعيش نتائج لم يخترها ،
وخطاب يرفع الشهادة إلى مرتبة الهدف .
بين الشهادة والتحرير ، فرق كبير .
الأولى تعبّر عن الاستعداد للتضحية ،
أما الثاني فيفترض نتيجة واضحة .
وحين يغيب الهدف ، وتبقى التضحية ،
نكون أمام حرب تُخاض بالمعنى… وتُدفع كلفتها بالواقع .


