توقف كثر وباستغراب وتعجب، أمام الموقف والكلام الذي صدر عن رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، حين اغتنم فرصة حديثه مع محطة سكاي نيوز عربية، في برنامج “الحقيقة”، ليطلق مواقف تجاه رئيس الجمهورية جوزاف عون ولبنان بشكل عام، اعتبرت بنظر كثر من المراقبين أن “الحكيم”، في هذه المواقف “فات بالقزاز السياسي الخشن” وخرج مضرجاً بالجراح و”الخدوش الوطنية”.
والسبب في ذلك، أن الدكتور سمير جعجع، قد أحرج نفسه في قضايا كان ينبغي أن يتحسب لها ويتصرف بحكمة وحنكة أكثر مما تصرف وأعلن في هذا الحديث.

والحكيم، بدلاً من أن يقدم الدعم لرئيس الجمهورية والحكم اللبناني، في الخطوة المتقدمة والشجاعة، في الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بالرغم من رفض حزب الله وجماعة إيران لذلك، أحرج نفسه وتقدم باقتراحات مستغربة ومستعجلة ولم تكن مناسبة على الإطلاق وطنياً وسياسياً وفي هذه الظروف.
الواقع، أن تجربة جعجع الكبيرة والمديدة في العمل السياسي والعسكري، كان يفترض أن تزوده بخبرة ومعرفة كبيرة للاتجاهات السائدة والاحتمالات الممكنة لأي تصرف. وأنَّ هذه الخبرة والتجربة، كان يجب أن تردعه، عن هذه المواقف الحساسة والمتهورة والمتسرعة في هذا الظرف.
فعلى سبيل المثال، والأهم في الموضوع، هو اعتباره أن لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، “بات ضرورياً في هذه الظروف”! وأنه يجب “إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل في هذه المرحلة وعدم التأخر في ذلك”!
يمكن اعتبار، كلام جعجع، ومواقفه، أنها متسرعة وتفتقد للحكمة والتأني لعدة أسباب أبرزها:
أولاً: أن أي لقاء مع نتنياهو، الذي تحتل قواته مساحات من لبنان وتقتل مواطنين لبنانيين وتدمر وتبيد قرىً وبلدات لبنانية، هو بمثابة إهانة أخلاقية فادحة وعميقة، وأيضا تقديم جائزة ترضية وهدية خاصة مجانية، وتنازل مجاني لنتنياهو من لبنان، عبر رئيس الدولة، وقبل أن تبدأ المفاوضات. وكما يعرف جعجع قبل أي شخص اخر، ليس من الجائز تقديم هدايا مجانية لأحد، في العمل السياسي والوطني على وجه الخصوص.
في العادة، فان هكذا لقاءات تتم بعد إنجاز المفاوضات ونجاحها، ووصولها إلى اتفاق. وبعد تحقيق مطالب الطرفين المتقاتلين والمتفاوضين والمختلفين، فيأتي اللقاء تتويجاً للاتفاق، وليس قبله، وخصوصاً إذا كنا نتحدث عن بلدين عدوين تاريخياً، تسيل بينهم الدماء، وتسقط الأرواح، وخصوصاً أن أجزاء كبيرة من أرض لبنان محتلة من قبل إسرائيل.
إلا إذا كان جعجع، لا ينظر إلى الأمر من هذه الزاوية، ويفرط في الأرض والتراب والأراضي الوطنية المحتلة، التي لم يأت على ذكرها او يتوقف عند أهميتها!
اقتراح جعجع المتعجل، جاء ليقفز فوق كل هذه المعطيات، وقد يكون من دون أن ينتبه أو العكس، وضع نفسه نصيراً أو مسانداً للمطالب والمواقف الإسرائيلية.
إن منطق ومبررات جعجع، الذي يحّمل حزب الله وإيران مسؤولية ما جرى تجاه لبنان وأهله مفهومة. لكن ما ليس مفهوماً، هو أن يقدم جعجع على تقديم مثل هذا الاقتراح، وقبل أن تبدأ المفاوضات، وذلك عبر طرحه ضرورة اللقاء بين الرئيس عون ونتنياهو، من دون أن يقدم أي مبرر لهذا الاقتراح، وهل هو بهدف استعادة الأرض المحتلة، وانسحاب إسرائيل منها، أو بهدف تحسين العلاقات بين البلدين او أملاً بحسن العشرة بين الرجلين؟!
ثانياً: الغريب في كلام جعجع، انه يستبق المفاوضات ويقفز إلى المطالبة بالنتائج قبل أن تبدأ المفاوضات وتنطلق، كمثل المطالبة بإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل من دون ثمن أو مقابل!
ثالثاً: كان جعجع مصيباً، في تشخيصه، لحال الدولة اللبنانية. بقوله إنها اضطرت للدخول في المفاوضات، لكي تمسح وتحاول تعويض أخطاء حزب الله، وتعوض عن التفرد الذي أقدم عليه الحزب والأخطاء التي ارتكبها حزب الله بقراره توريط لبنان بحرب تعني إيران مباشرة، وإن الدولة باتت مجبرة على ذلك بسبب تصرفات الحزب وإيران، لكنه طرح في الوقت عينه الوصول إلى نتائج وحددها وأعلنها قبل انطلاق المفاوضات، بدل أن يشدد على استعادة الأرض المحتلة وإعادتها إلى كنف لبنان وسلطته.
رابعاً: لم ينتبه جعجع أو تقصد ذلك، إنه في هذا الاقتراح المتسرع يدفع بالرئيس عون إلى خطوات محفوفة بالمخاطر من كل الصنوف من دون أن يتوقف أمام مسألة مهمة وهي أن نتنياهو الذي يعتبر اللقاء به “بات ضرورياً” هو شخص مطارد وغير مرغوب به عالمياً ودولياً بعد صدور مذكرات توقيف دولية بحقه. كما أنه حتى الآن تسبب وأمر بقتل الالاف من اللبنانيين والعرب!
فكيف يطالب رئيس حزب لبناني رئيس دولته بلقاء مسؤول دولة عدوة مدان وملاحق دولياً؟
خامساً: تناسى الدكتور جعجع، أنه حتى بشير الجميل الذي انتخب بفعل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، رفض أن يوافق على مطالب مناحيم بيغن في اجتماع نهاريا، ولم يعده باتفاقية سلام من دون موافقة المسلمين في لبنان وباقي الدول العربية.
سادساً: كان الأحرى والأفضل لجعجع والقوات اللبنانية، أن يقف مساندة للرئيس عون في قيادته المفاوضات المباشرة، لا أن يضع أمامه اقتراحات مزايدة تربكه أمام العدو وقبل انطلاق المفاوضات.
هل أراد جعجع مساعدة رئيس الجمهورية، أم تشجيعه على خطوة هو يعرف أنها لو تمت ستكون باتجاه إضعاف الرئيس والحكم وباتجاه مفاقمة الأوضاع الداخلية، بين الأطراف المتواجهة. وأن هذه الاقتراحات، التي خرجت منه تضع عربة لبنان أمام الحصان، كما يقال، بدل أن يكون الحصان أمامها لنخرج من هذا المأزق القاتل والمدمر للبنان؟


