في لبنان ، لا تُقال الأمور كما هي ، ولا تُحسم كما يجب . حتى التفاوض ، حين يُطرح ، لا يأتي بشكل واضح ، بل يمرّ عبر طرق جانبية ، كأنه يتجنّب اسمه . من هنا نفهم التفاوض غير المباشر ، انه ليس مجرد أسلوب دبلوماسي ، بل انعكاس لواقع سياسي يتهرّب من قول الحقيقة كاملة .
كيف؟ ببساطة تُقال الأمور بنصف كلام ، تُستعمل عبارات مبهمة ، يُترك لوسيط أن ينقل الموقف ، يُقال شيء في الداخل وشيء آخر في الخارج ، وتضيع المسؤولية بين أكثر من طرف .
هذا النوع من التفاوض ليس خياراً مدروساً بقدر ما هو نتيجة أزمة . دولة لا تملك قراراً موحّداً ، فتجد نفسها تفاوض بشكل غير مباشر لأنها غير قادرة على توحيد موقفها أولاً .
في الدول التي تمتلك قراراً واضحاً ، يُختار شكل التفاوض بناءً على الهدف . أما في لبنان ، فيُختار الشكل لتفادي الخلاف والمسؤولية .
التفاوض المباشر يعني وضوحاً : من يوافق؟ ومن يرفض؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ أما غير المباشر ، فيسمح للجميع بالهروب . كل طرف يفسّر على طريقته ، ينفي عند الحاجة ، ويحمّل غيره المسؤولية . وهكذا تضيع الحقيقة بدل أن تتوضح .
الأخطر أن هذا الأسلوب لا يحلّ التناقضات ، بل يكرّسها . يعطي كل طرف هامشاً ليقول شيئاً في الداخل ويفعل شيئاً آخر في الخارج . فيتحوّل التفاوض غير المباشر من وسيلة حل إلى وسيلة لإبقاء الأزمة قائمة .
المشكلة ليست في التفاوض غير المباشر بحد ذاته ، بل في الواقع الذي يفرضه . عندما تكون الدولة عبارة عن قوى متعدّدة ، كل منها يخاف من الآخر ويخاف من تبعاتها ويخاف من الاتباع ، يصبح هذا الأسلوب وسيلة لتأجيل الانفجار ، لا لحل المشكلة .
السؤال الحقيقي ليس هل نفاوض بشكل مباشر أم غير مباشر؟
السؤال هو هل هناك قرار واحد أصلاً؟
عندما تحتاج الدولة إلى وسطاء مندوبين لتعبّر عن موقفها ، فهذا ليس دبلوماسية بقدر ما هو دليل ضعف داخلي . يُقال إن ذلك حفاظ على الكرامة التي هي الشماعة المستهلكة في كل احراج .
الكرامة تحوّلت في الخطاب السياسي عندنا من قيمة حقيقية إلى شماعة جاهزة تُعلَّق عليها كل القرارات ، خصوصاً عندما تكون هذه القرارات ضعيفة أو ملتبسة أو غير قابلة للدفاع العقلاني ، لكن الكرامة لا تُبنى بالغموض ، بل بقرار واضح يمكن الدفاع عنه .
في النهاية ، التفاوض غير المباشر ليس المشكلة إذا استُخدم كأداة . لكنه يصبح مشكلة عندما يتحوّل إلى قاعدة . عندها ، لا تعود الدولة تفاوض الخارج فقط ، بل تؤجل مواجهة نفسها… وتؤجل الاعتراف بأنها لم تعد تملك صوتاً واحداً .
وعندما يغيب القرار ، يصبح التفاوض مجرد تفصيل…
والنتيجة معروفة : اللي بدك تقضيه انهيه ، واللي بدك ترهنه بيعو


