في الثامن من نيسان 2026، وفي يوم المجازر الإسرائيلية التي طالت لبنان من جنوبه إلى بقاعه وجبله وضاحيته، ارتقى إلى مرتبة الشهادة العزيزان سوزان فضل خليل ,سعيد محمد الخنسا، في بلدة كيفون في جبل لبنان، أثناء قيامهما بواجبهما الإنساني والاجتماعي داخل صيدلية خُصّصت لتوزيع الأدوية على النازحين والفقراء والمحتاجين. لم يكونا في موقعٍ عابر، ولا في مهمةٍ طارئة، بل كانا في صلب الرسالة التي عاشا لها: خدمة الناس، ومواساة المتألمين، والوقوف إلى جانب المحتاجين.
على مدى تسع سنوات عرفت الشهيدة سوزان في بلدية الغبيري إعلاميةً متميزة، لكن حقيقتها الأعمق كانت أنها إنسانة مخلصة، متفانية، محبة، مضحية، شجاعة، صابرة، ومبدعة في كل ما كانت تقوم به. لم تكن تنقل الخبر فقط، بل كانت تصنعه، وتمنحه روحه ومعناه، وتحوّل كل نشاط بلدي وكل إنجاز إلى رسالةٍ عامة تخدم الناس وتؤسس لعملٍ مستدام. كانت تؤمن بأن الإعلام ليس زينةً للمؤسسات، بل شريانٌ من شرايين الخدمة العامة، وجسرٌ بين الناس والعمل البلدي.
وقد تعددت ميادين عطائها، فإلى جانب عملها في بلدية الغبيري، كانت مسؤولة إعلامية في مستشفيي الرسول الأعظم والسان جورج، وحاضرةً في تلفزيون المنار وإذاعة النور، إضافة إلى تعاونها مع جامعات ومعاهد وجمعيات عديدة، ولا سيما جمعية «من أحياها» لوهب الأعضاء. هكذا انتقلت بصماتها من مؤسسة إلى أخرى، ومن بلدية إلى سائر البلديات، حتى أصبحت نموذجاً يُحتذى في الإعلام البلدي والاجتماعي والإنساني.
أما الشهيد سعيد محمد الخنسا، فقد أكمل مسيرة عائلته ووالده الحاج أبو سعيد في خدمة الناس، وجعل من هذا النهج رسالة عمره. ومن خلال تأسيسه جمعية «مما تحبون»، تحولت الصيدلية إلى مركزٍ رئيسي لتوزيع الدواء وتلبية حاجات الناس، ولا سيما منذ بدايات طوفان الأقصى، وصولاً إلى معركة «العصف المأكول». وكان المكان مقصداً للنازحين وأهالي الجبل، وكل من ضاقت به السبل.
في ذلك اليوم الدامي، استهدف العدو الإسرائيلي هذا المكان الإنساني، فارتقى الشهيدان مع أكثر من عشرين من أبناء كيفون والجبل، ومن بينهم الشهيدة رنا ملاعب، زميلة سوزان وجارتها في بيت النزوح.
لقد صدق الشهداء ما عاهدوا الله عليه، وعملوا لخدمة الناس حتى اللحظة الأخيرة، تحت الشعار الذي آمنوا به: «سنخدمكم بأشفار العيون»، فكان عطاؤهم طريقاً إلى الشهادة، وكانت دماؤهم خاتمةً تليق بسيرةٍ من العطاء والوفاء والبذل والتضحية. هنيئاً لهم هذا المقام، وهنيئاً للغبيري وكيفون وبيصور، ولكل لبنان بهذه النماذج المضيئة التي تثبت أن خدمة الناس يمكن أن تكون طريقاً إلى الخلود.


