صورة متقدمة… ومضمون ناقص

في وقت تُعرض فيه صور اللقاءات السياسية في واشنطن إلى جانب ماركو روبيو، بما يوحي بانتقال المسار إلى مرحلة تفاوضية متقدمة، يبرز تناقض جوهري بين الصورة والمضمون. فالمشهد السياسي يعكس انخراطاً مباشراً، لكنه يخفي غياب الركيزة الأساسية لأي تفاوض جدي، وهي وقف إطلاق النار.
هذا التباين ليس تفصيلاً شكلياً، بل خلل في ترتيب الأولويات، حيث تُقدَّم الدعوة إلى التفاوض المباشر في ظل استمرار العمليات القتالية، ما يحوّل التفاوض من أداة لحل النزاع إلى امتداد له بوسائل سياسية.
وقف إطلاق النار: الشرط التأسيسي المغيّب
لا يمكن لأي مسار تفاوضي بين لبنان واسرائيل أن يكتسب الجدية من دون وقف شامل وفعلي لإطلاق النار يسبق التفاوض ويلازمه. فالتفاوض تحت النار يكرّس موازين قوى مؤقتة، ويخضع العملية لمنطق القوة لا منطق التسوية.
وعليه، فإن الدعوة إلى التفاوض المباشر من دون هذا الشرط لا تمثل تقدماً، بل قفزاً فوق الأساس، ما يفرغ أي مسار تفاوضي من مضمونه.
الالتزام والتزامن: شرطا المصداقية والتنفيذ
ولا يكتمل أي تفاوض إلا بإعلان التزام سياسي واضح ومسبق بما سينتج عنه، إذ إن غياب هذا الالتزام يحوّله إلى عملية مفتوحة على التعطيل أو إعادة التفسير.
وفي هذا السياق، يكتسب مبدأ التزامن في التنفيذ أهمية حاسمة، بحيث لا يقتصر على توازي الإجراءات في مراحلها اللاحقة، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى لإطلاق العملية التنفيذية. إذ ينبغي أن يتزامن بدء تنفيذ الترتيبات المتفق عليها مع إعلان وقف إطلاق النار، على أن يترافق ذلك مع بدء الانسحاب التدريجي، بالتوازي مع إطلاق مسار تنفيذ حصرية السلاح ضمن إطار واضح ومحدد.
فأي فصل بين هذه المسارات في مرحلة الانطلاق، أو تأجيل أحدها على حساب الآخر، يؤدي إلى اختلال في التوازن ويقوّض الثقة منذ البداية. ومن هنا، فإن التزامن لا يُفهم كتنسيق تقني لاحق، بل كشرط تأسيسي يفرض انطلاق الإجراءات الأساسية بشكل متوازٍ ومترابط، بما يمنع استخدام أي منها كأداة ضغط أو ورقة تفاوضية لاحقة.
إن التزامن في التنفيذ لا يعني فقط توازي الخطوات، بل تلاقي لحظة انطلاقها، بحيث يبدأ وقف إطلاق النار، والانسحاب، ومسار حصرية السلاح في آنٍ واحد ضمن إطار واحد.
تلازم المسارات: منع تفكيك الحل
إن نجاح التفاوض يقتضي إدارة مختلف المسارات كحزمة واحدة مترابطة، وعدم فصل الأبعاد الأمنية عن السياسية أو التقنية. فالتجزئة تُنتج حلولاً ناقصة، وتحوّل بعض الملفات إلى أدوات ضغط تعرقل المسار العام.
الاستدامة: من الهدنة إلى معالجة الجذور
لا يمكن اختزال الاستدامة في ترتيبات أمنية تقنية، بل ترتبط بمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع. فالاتفاقات التي تكتفي بضبط الانتشار العسكري من دون التطرق إلى مسائل السيادة والحدود وتوازنات القوة، تبقى عرضة للانهيار.
وعليه، فإن الاستدامة تقتضي الجمع بين تثبيت الوقائع الميدانية ومعالجة جذور المشكلة، بما يضمن الانتقال من إدارة النزاع إلى حله.
الضمانة الدولية: بين الرعاية والشرعية
يكتسب عنصر الضمانة الدولية أهمية حاسمة، حيث يُفترض أن تضطلع الولايات المتحدة بدور الراعي والضامن سياسياً، في حين تشكل قرارات مجلس الامن المرجعية القانونية التي تمنح الاتفاق صفة الإلزام.
إن الجمع بين الرعاية السياسية والشرعية القانونية يوفّر التوازن الضروري لضمان التنفيذ ومنع الالتفاف على الاتفاق.
إعادة الإعمار والبرامج المكملة: تثبيت الاستقرار
لا تكتمل أي تسوية من دون معالجة آثار النزاع اقتصادياً وإنسانياً، حيث يشكل التعويض وإعادة الإعمار شرطاً أساسياً للاستقرار.
كما أن إدراج برامج مكملة، مثل ترسيم الحدود وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، يضمن تثبيت النتائج ومنع تحوّل الملفات غير المعالجة إلى مصادر نزاع جديدة.
الخلاصة: الفجوة بين الصورة والمضمون
ما يكشفه المشهد الحالي هو فجوة واضحة بين صورة التفاوض ومضمونه. فالصورة توحي بتقدم سياسي، بينما المضمون يفتقر إلى شروط التفاوض الجدي.
وعليه، فإن أي مسار لا يبدأ بوقف إطلاق نار فعلي، ولا يقوم على التزام واضح، وتزامن في التنفيذ، وتلازم في المسارات، وضمانات دولية، ومعالجة جذرية، لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة.
فالتفاوض لا يُقاس بصوره… بل بشروطه.
والاستقرار لا يُبنى باللقاءات… بل بوقف النار ومعالجة جذور النزاع.


