ليست كل الضربات في الحروب متساوية. بعضها يُنفّذ لتحقيق أهداف عسكرية واضحة، وبعضها لإرسال رسائل سياسية، وبعضها — في لحظات دقيقة — يتحول إلى فعل مزدوج يجمع بين الميدان والسياسة. هذا هو الإطار الذي يمكن من خلاله قراءة الضربة الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، التي جاءت مباشرة بعد إعلان وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وايران، في لحظة كان يُفترض أن تؤسس لتهدئة أوسع، فإذا بها تكشف منذ البداية هشاشة الاتفاق وحدوده الفعلية.
ما لفت في هذا التطور لم يكن فقط الضربة، بل التباين الصارخ في تفسير الاتفاق نفسه. فقد أعلنت باكستان، التي اضطلعت بدور في رعاية التفاهم، أن الاتفاق يشمل وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان ضمناً، فيما صدر في المقابل موقف واضح عن البيت الابيض يؤكد أن لبنان ليس جزءاً من وقف إطلاق النار. هذا التناقض لا يمكن اعتباره تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل يكشف خللاً بنيوياً في الاتفاق، إذ إن أي تفاهم لا يملك تعريفاً موحداً لحدوده الجغرافية والسياسية، يتحول حكماً إلى اتفاق مفتوح على التفسير بالقوة.
في هذا السياق، تصبح مصداقية الوساطة نفسها موضع تساؤل. فعندما يعلن طرف راعٍ شمولية التهدئة، ويؤكد طرف أساسي استثناء ساحة مركزية منها، فإن المشكلة لا تعود في النص فقط، بل في القدرة على فرض تفسير واحد له. هنا تجد باكستان نفسها أمام اختبار دقيق: هل كانت شمولية التهدئة جزءاً من نص فعلي، أم قراءة سياسية متفائلة، أم محاولة لرفع سقف الاتفاق أكثر مما يحتمل؟ في كل الحالات، تبقى النتيجة واحدة، وهي أن المصداقية لا تُقاس بما يُعلن، بل بما يُنفّذ.
لكن هذا التناقض في الروايات لا يفسر وحده ما جرى. العامل الأكثر حساسية يكمن في موقع ايران داخل هذا المشهد. فالدولة التي تقدم نفسها كضامن لمصالح حلفائها، دخلت في تفاهم يعالج أمنها المباشر، لكنها لم تفرض، أو لم تتمكن من فرض، إدراج لبنان بشكل واضح ضمن هذا التفاهم. هنا تظهر مفارقة قاسية: من رعوا الاتفاق قالوا إنه شامل، ومن تفاوضوا عليه تركوا لبنان خارج الحماية، لتتحول التهدئة إلى إطار يعالج التهديد البعيد ويترك التهديد القريب دون معالجة.
لفهم أعمق لما حدث، لا بد من التمييز بين طبيعتين مختلفتين من التهديد. تمثل Iran تهديداً استراتيجياً غير مباشر، يمكن احتواؤه ضمن معادلات الردع أو إدخاله في تفاهمات سياسية، بينما يمثل ح زب الله تهديداً مباشراً على الحدود بالنسبة إلى اسرائيل، بحكم تموضعه الجغرافي وقدراته العسكرية الجاهزة. هذا الفرق ليس تفصيلاً نظرياً، بل هو أساس القرار العسكري، لأن التهديد غير المباشر يمكن تجميده بالاتفاقات، أما التهديد المباشر فلا يُجمَّد، بل يُعاد تشكيله على الأرض.
في هذه المنطقة الرمادية تحديداً، جاءت الضربة الإسرائيلية. فهي لم تكن فقط عملاً عسكرياً بحتاً، بل استغلالاً مباشراً لفراغ سياسي واضح، حيث التفاهم غير محسوم التعريف، والوساطة غير قادرة على فرض تفسير واحد، ولبنان خارج أي مظلة حماية فعلية. بذلك، تحولت الضربة إلى ترجمة عملية لهذا الفراغ، وإلى رسالة تقول إن الاتفاقات التي لا تشمل لبنان صراحة لا تُلزم أحداً على أرضه.
ما يكشفه هذا المشهد بوضوح هو أن لبنان لم يكن طرفاً في الاتفاق، ولم يُذكر فيه، ولم تُفرض له ضمانات، فوجد نفسه مرة جديدة في موقع الساحة التي تُختبر عليها التفاهمات لا الدولة التي تُحمى بها. وهنا تتكرس معادلة مألوفة وخطيرة في آنٍ معاً: ما يُحل في العواصم لا يُحسم بالضرورة على الحدود، وما يُعلن كتهدئة قد يتحول في التطبيق إلى إعادة توزيع للنار لا أكثر.
في النهاية، قد تُوقّع الاتفاقات بين الدول، وقد تُجمَّد بعض الجبهات، وقد يُقال إن الحرب الكبرى قد توقفت، لكن ذلك لا يعني أن المواجهة انتهت. ففي لبنان، حيث يتموضع التهديد المباشر، تبقى الأرض مفتوحة على احتمالات التصعيد، وتبقى الوقائع خاضعة لمن يفرضها ميدانياً لا لمن يعلنها سياسياً.
وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح توصيف ما جرى أكثر وضوحاً: ليست مجرد ضربة، بل لحظة تكثّف فيها التناقض بين النص والميدان. لحظة تؤكد أن الاتفاق غير الواضح لا يوقف الحرب، بل يغيّر شكلها، وأن التفاهم الذي لا يشمل لبنان صراحة، يتركه تلقائياً في قلب المواجهة.
عندما يختلف رعاة الاتفاق على تفسيره، لا يُحسم الخلاف على الورق، بل على الأرض.ولبنان، مرة جديدة، ليس في نص الاتفاق… بل في ميدان تطبيقه.


